صناعة الطيران.. والتفاوت الطبقي
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

يبدو أن ركوب الطائرة أصبح  الاستعارة التي يمكن من خلالها تشبيه الحياة في الولايات المتحدة الأميركية،  فمن ناحية، قد أصبح السفر جواً أرخص وأكثر سهولة في متناول الناس. ومن ناحية أخرى، أصبح أكثر تمايزاً بين الطبقات وأكثر إرهاقاً. نعم، الجميع يحب تذاكر السفر التي يبلغ سعرها 199 دولاراً، لكن لا أحد يحب المرور عبر مقصورة الدرجة الأولى، ويشاهد سائل الراحة الفاخرة، قبل أن يصل  لمقعد الأوسط في الدرجة الاقتصادية، حيث ليس لديه  مساحة كافية  في الخزائن العلوية للأمتعة. والآن، تزيد شركات الطيران من حدة الصراع الطبقي حتى بين أفراد الطبقة الميسورة. فقد بدأت شركات الطيران في طرح فئات جديدة من الأسعار لدرجة رجال الأعمال في الرحلات الدولية: فلا يزال الركاب يحصلون على مقعد يتحول إلى سرير مسطح، لكنهم يفقدون إمكانية استخدام صالة الدرجة الفاخرة أو اختيار مقعدهم. وقريباً، ربما يسحبون منهم أيضاً «الآيس كريم». تماماً عندما ظننت أنني وصلت أخيراً إلى المستوى الذي أريده.
 لكن ما يحدث في صناعة الطيران يمكن أن يلقي الضوء على ما يحدث في الاقتصاد  عبر صورة أكبر، حيث أصبح كثير من الأميركيين أكثر ثراءً مما كانوا عليه في السابق، لكنهم في الوقت نفسه أكثر استياءً.
 أولاً، هناك حقيقة أن مزيداً من الأميركيين أصبحوا يسافرون جواً الآن. ففي أوائل سبعينيات القرن الماضي، كان أقل من شخص واحد من كل أربعة يسافر بالطائرة خلال عام معين، وكان أقل من نصف السكان قد سافروا بالطائرة ولو مرة واحدة في حياتهم. أما الآن، فقد سافر نحو نصف الأمريكيين بالطائرة خلال العام الماضي، بينما سافر 86% منهم بالطائرة مرة واحدة على الأقل في حياتهم.
وأصبح السفر الجوي أكثر شيوعاً جزئياً لأنه أصبح أرخص بكثير. ففي عام 1993، كان متوسط سعر تذكرة الطيران المحلية من شيكاغو إلى مختلف الوجهات التي يمكن الوصول إليها يبلغ 978 دولاراً، بعد احتساب التضخم. أما في عام 2026، فقد بلغ 421 دولاراً.
 وكان ذلك نتيجة مجموعة من العوامل، من بينها تحرير قطاع الطيران من القيود التنظيمية، وتحسن التكنولوجيا، وزيادة شفافية مقارنة الأسعار، وبدرجة لا يمكن تجاهلها، ارتفاع الدخول. ومن الأسباب الأخرى لانخفاض الأسعار أن شركات الطيران غيّرت نموذج أعمالها، فأصبحت تفصل الخدمات عن بعضها وتفرض أسعاراً مختلفة على العملاء وفقاً لقدرتهم على الدفع واستعدادهم للدفع.
 ولا يحب الجميع هذه التطورات - بل في الواقع، يكاد لا يحبها أحد. فالعملاء يستاؤون من اضطرارهم إلى دفع رسوم إضافية لشحن حقيبة أو اختيار مقعد، وهي مقاعد أصبحت أصغر حجماً. أما الوجبات، فهي سيئة للغاية إذا كانت متاحة أصلاً.
 لكن كل هذا التقشف في الخدمات يعني أن شركات الطيران تستطيع تمرير مزيد من وفورات التكلفة إلى أسعار التذاكر. وفي الوقت نفسه، لا تزال الدرجة الأولى رائعة إلى حد كبير، خصوصاً في الرحلات الدولية، حيث تحصل على سرير مسطح وفرصة لتناول الحلويات و«الآيس كريم». ومن الجدير بالذكر أيضاً أن هذه التذاكر باهظة الثمن، التي قد تصل إلى آلاف الدولارات، تساعد في دعم أسعار التذاكر الأرخص لبقية المسافرين.
 وبوجه عام، فإن هذا الترتيب أفضل؛ لأنه يسمح لعدد أكبر من الناس بالسفر جواً بوتيرة أكثر تكراراً. لكن ذلك لا يغير حقيقة أن تجربة السفر بالنسبة لركاب الدرجة الاقتصادية أصبحت أقل متعة. وليس من الناحية الموضوعية فحسب، بل بالمقارنة أيضاً: فمن الصعب بما يكفي تحمل كل هذه الإهانات الصغيرة، لكن ما يثير الغضب حقاً هو أن هناك أشخاصاً على الطائرة نفسها لا يضطرون إلى تحمل أي منها.
 وبالنظر إلى الاتجاهات الناشئة في الاقتصاد الأوسع، ليس من المستغرب أن تتجه صناعة الطيران الآن نحو مزيد من التفاوت الطبقي. إذ ستقدم شركتا يونايتد ودلتا قريباً فئات جديدة من الأسعار لدرجة رجال الأعمال في الرحلات الدولية، مدفوعة بلا شك بارتفاع التكاليف، وتقلب أسعار الطاقة، وارتفاع الطلب من المسافرين الميسورين الذين لا يزالون حساسين للأسعار.
 وتعني الفئات الجديدة أن شركات الطيران ستكون قادرة على خدمة عدد أكبر من ركاب درجة رجال الأعمال بأسعار مختلفة. وقد يجعل ذلك بعض المستهلكين في وضع أفضل، لأنه يعني أن مزيداً من الناس سيتمكنون من الحصول على مقاعد أفضل. لكنه يمثل، من زاوية أخرى، خفضاً في مستوى الخدمة، لأن هذه المقاعد تأتي مع مزايا وامتيازات أقل.
 وفي الاقتصاد الأوسع، كلما انضم مزيد من الناس إلى الطبقة الوسطى العليا، ارتفع طلبهم على السلع والخدمات الأفضل. لكن المعروض ليس بلا حدود؛ ولذلك يستجيب السوق بمزيد من التقسيم الطبقي. وهكذا ينتهي بنا الأمر إلى مقاعد في الطائرات مخصصة لأعلى 5% أو أعلى 2% من المسافرين، بينما يسافر أصحاب أعلى 1% بطائرات خاصة.
 وخلال العقود القليلة المقبلة، توقعوا رؤية المزيد من هذا الاتجاه في مجالات أخرى أيضاً. فالتكنولوجيا ستعيد تشكيل الاقتصاد، وتجعل بعض الناس فاحشي الثراء، بينما تجعل كثيرين آخرين أفضل حالاً فحسب. وقد تواجه الولايات المتحدة أيضاً بيئة تضخمية أكثر ارتفاعاً، في الوقت الذي توفر فيه التكنولوجيا للشركات مزيداً من الوسائل لمعرفة التفضيلات الفردية للعملاء، ومن ثم تحديد الأسعار وفقاً لذلك.
 وبعبارة أخرى، سواء أحببنا ذلك أم لا، فإن مزيداً من التمييز في الأسعار سيكون جزءاً من مستقبلنا.


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


*كاتبة متخصصة في الشؤون الاقتصادية 



إقرأ المزيد