جريدة الإتحاد - 8/15/2026 11:20:06 PM - GMT (+4 )
تحفل الأحداث الجارية في المنطقة والجوار بتصرفاتٍ أقلّ ما يقال عنها إنها محاولات لتكرار ما حدث سابقاً، وأول ما يمكن التفكير فيه في هذه الإعادات التصرفات الإيرانية وتصرفات جماعات الإسلام السياسي.
قامت الحركة الدينية في إيران، والتي أسقطت نظام الشاه، على محاولة الغَلَبة من ثلاث جهات: الغلبة بالداخل على النظام السائد، وغلبة التشيع باعتباره هو «الدين الصحيح»، والغلبة بالمنطقة من باب تصدير الثورة بوصفها «الحق المطلق»! لقد استطاع الملالي الاستيلاءَ على الداخل بعد قتل مئات الآلاف من الشعب الإيراني، بما في ذلك الإثنيات والقوميات والديانات الأخرى الموجودة في إيران. ووفقاً لبعض التقديرات، فإنّ ثمانية ملايين إيراني هاجروا خلال الأربعين عاماً الماضية إلى شتى أنحاء العالم ولم يعودوا. بيد أنّ هذه السياسات القمعية التي استمرت وأُعيدت أحدثت ستة تمرّدات كبرى بين التسعينيات والعام 2023، وأدت من جديد، بعد سياسات الاستئصال في ثمانينيات القرن الماضي، إلى سقوط عشرات الآلاف من القتلى، بالإضافة إلى آلاف السجناء في المعتقلات. ولأنّ الحكم الإيراني لا يعرف غير القمع، فإنّ إجراءات شديدة تجري الآن، خوفاً من ثورانٍ جديد نتيجةَ الضيق الأمني والاقتصادي والحروب المشتعلة، وقلَّ أن يمر أُسبوع في إيران دون أن يُعلن عن إعدامات جديدة بحجة العمالة للعدو، كما حدث من قبل في الثمانينيات والتسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي العشرين.. لكنّ الحملة الجارية الآن أفظع من سابقاتها! هناك عشرات النماذج للأنظمة التي اتخذت القمع ممارسةً وسياسة، وآخرها النظام السوري السابق الذي اعتقد أنه مخلَّد لأنه هجَّر وقتل قرابة نصف الشعب السوري، لكنّ التاريخ لا يعيد نفسه، وما لم ينجح من قبل لن ينجح اليوم أو غداً.
أما الغلبة الثانية وهي الغَلَبة المذهبية والقومية، فهي سائدة بالداخل الإيراني، ولذلك يخرج عليها الأكراد والعرب والبلوش والآذريون. ولن يسلِّم للمذهب السائد أولئك الذين يرون أنهم مظلومون دينياً وطائفياً وإثنياً. إنما المشكلة في هذه المذهبية القومية هي الاعتقاد أنه بالسلاح والمال تستطيع الغَلَبة في بلدان أخرى خارج إيران حيث توجد فئة شيعية، مثل العراق ولبنان، أو لا توجد مثل سوريا. لقد هرب مئات الآلاف من الميليشيات المصنوعة في سورية وإلى سوريا عندما اجتاح المتمركزون بإدلب المدن السورية الأخرى التي كانت تعجُّ بالميليشيات المتمذهبة، ومنها دمشق ذاتها. وكان من ضمن الهاربين بعض الشيعة الأُصلاء السوريين أصلاً، لأنهم انضموا للفئات المسلحة القادمة تارةٍ لحماية المزارات وطوراً لتحرير فلسطين! ما نجح الإيرانيون في التشييع في مختلف الأقطار، لكنهم استطاعوا في بعض البلدان، مثل العراق، قتل وتهجير عشرات الألوف، وأحلّوا ميليشيات مذهبية محلَّهم، كما حدث في ناحية جرف الصخر التي تحاول الحكومة العراقية الآن إخراج الميليشيات المسلحة منها. الحكومة تحاول، لكن جاء قائد فيلق القدس الإيراني إلى العراق وقال: إنّ نزع السلاح ضربة غدر ضد إيران!
ما عاد التغيير المذهبي أو الديني عادياً أو جارياً في الأزمنة الحديثة والمعاصرة. وقد قرأتُ قبل أيام تقريراً للأُمم المتحدة جاء فيه أنّ إحدى الأقليات المسلمة تفضّل القتل أو الهجرة إلى بلاد أخرى على تغيير دينها! ولم يصرّح الإيرانيون في لبنان - بعكس حالة سوريا - برغبتهم في فرض إرادة التشييع، لكنهم يفعلون ذلك منذ سنواتٍ وسنواتٍ في اليمن لجهة قلب الزيدية إلى الإمامية، رغم استجابة الحوثيين لأجنداتهم السياسية!
وتثابر جماعات الإسلام السياسي على النهج نفسه منذ عقود. فهم يتأبّطون الانشقاقات الأصولية بدعوى إقامة «الدولة الإسلامية»، وقد مارسوا العنف والاحتيال وبذلوا الأموال ونشروا التوتر في عدة بلدان بإساءة استخدام الدين، وآخره استخدام القضية الفلسطينية دونما فائدة. فلا سلطة «حماس» باسم الدين مقبولة، ولا سلطة «الإخوان» في مصر والأردن وغيرهما مقبولة. وحتى صورة الأصوليين عن الخلافة والعصور الوسطى للدولة، وأنها كانت دولةً دينية، صورة مشوّشة غير صحيحة، ولذلك فمن المؤكد أنّ التاريخ لا يعيد نفسه سواء بالعنف أو بغيره.
إنّ تكرار المحاولات بالعنف أو بغيره لا يفيد في استعادة الماضي المتخيَّل. ولا بد أن تقتنع أجيالنا، على اختلاف المذاهب أو الأديان أو الأفكار، أنه لا بدّ من تغيير التفكير بشأن الدولة والمذهب السياسي، واستحالة إقامة الدولة الدينية، والانصراف إجماعاً لاعتناق وتطوير الدولة الوطنية المدنية، التي لا تستتبع الدين ولا تتلاعب بثوابته كما يفعل الأصوليون وأهل ولاية الفقيه.
*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية
إقرأ المزيد


