جريدة الإتحاد - 8/15/2026 11:38:28 PM - GMT (+4 )
شهدت الأسابيع الأخيرة زخماً حول ثلاثة مناهج لتنظيم صناعة الذكاء الاصطناعي: دعوة سام ألتمان لإنشاء هيئة تنظيمية دولية، على غرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية.. ومُقترح من الحزبين الرئيسيين في مجلس النواب الأميركي يُخضع مطوري الذكاء الاصطناعي لتدقيق منظمات تحقق مرخصة حكومياً، على غرار نموذج اعتماد الطائرات التابع لإدارة الطيران الفيدرالية.. ومقترح غوغل بإنشاء هيئة تنظيمية ذاتية ممولة من الصناعة تحت إشراف فيدرالي.
لكن قبل تحديد الجهات والسياسات التنظيمية، يجب على الكونغرس أولاً تحديد حدود سلطة الحكومة. فالدرس المستفاد من الابتكارات التكنولوجية السابقة ليس أن الحكومة يجب ألا يكون لها دور، بل إن دورها يجب أن يكون محدداً منذ البداية حتى لا تُقيد التكنولوجيا.
وتعمل وثيقة الحقوق الأصلية بهذه الطريقة، إذ تستطيع الحكومة معاقبةَ التشهير أو الاحتيال بعد وقوعهما، لكن لا يحق لها ترخيص الصحافة أو اشتراط موافقة مسبقة قبل النشر. فدورها يقتصر على مراقبة التجاوزات، وليس حجبها عند المطبعة. وينبغي لوثيقة حقوق الذكاء الاصطناعي أن تضع القاعدة نفسها: معاقبة الضرر، دون التدخل في طريقة العمل.
ورغم وجود الكثير من الموظفين الحكوميين الأكفاء، لا تستطيع أي جهة حكومية استقطاب ما يكفي من الخبرات والمعرفة لمواكبة التكنولوجيا المتطورة. وينطبق ذلك بشكل خاص على الذكاء الاصطناعي، الذي تتغير حدوده كل بضعة أشهر، وحتى المهندسون الذين يبنونه لا يستطيعون التنبؤ بسرعة تغييره.
ولا تخفق الوكالات في مواكبة التكنولوجيا فحسب، بل تقع أيضاً في نمط مألوف في واشنطن هو تضييق التنظيم، حيث تتوسع الصلاحيات الممنوحة للوكالة باستمرار إلى ما يتجاوز نطاقَها الأصلي. لقد بدأ قانون ضريبة الدخل الفيدرالية عام 1913 في بضع صفحات فقط، بينما يحتوي قانون الإيرادات الداخلية اليوم على ملايين الكلمات، واستغرق الكونغرس 75 عاماً قبل أن يصدر قانون حقوق دافعي الضرائب للحد من صلاحيات مصلحة الضرائب الأميركية.
وبمجرد إنشاء أداة تنظيمية في واشنطن، لا يمكن تجاوزها، لذا يجب وضع القيود مسبقاً. فإذا فُرضت بعد إنشاء الوكالة فستستمر صلاحياتها في التوسع بينما تتأخر القيود. ولا تستطيع وثيقة الحقوق تقييد الجهة التنظيمية بفاعلية إلا إذا سبقت التنظيم نفسه.
ولمنع تجاوزات نظام تنظيمي مستقبلي متضخم، ينبغي أن يكون أول قانون رئيسي للذكاء الاصطناعي وثيقة حقوق تمنع الوكالات الفيدرالية من أربعة أمور: ترخيص نماذج الذكاء الاصطناعي أو اشتراط الموافقة قبل إطلاقها، إملاء كيفية تصميم النماذج أو تدريبها، إجبارها على الترويج لوجهات نظر معينة أو قمعها، وربط دخول الأسواق بالحصول على موافقة هيئة صناعية معتمدة حكومياً.
وينبغي للحكومة أن تراقب سوء السلوك، لا أن تشرف على الهندسة. فالاحتيال والسرقة يظلان جريمة، كما تظل القوانين الحالية ضد الهجمات الإلكترونية والتجسس والمنتجات المعيبة وانتهاكات مكافحة الاحتكار ومخالفات التصدير قابلة للتنفيذ. ومخاطر الذكاء الاصطناعي حقيقية، وسيكون تجاهلها تهوراً. فإذا مكَّن الذكاءُ الاصطناعي شخصاً واحداً من تصنيع سلاح بيولوجي أو إسقاط شبكة الكهرباء، وهما أمران كانا يتطلبان في السابق مواردَ كبيرةً، فعلى الكونغرس سد هذه الثغرة بقانون يستهدف الخطر تحديداً.
ولا تعتبر قوانين الحد من صلاحيات الجهات التنظيمية بجديدة، ففي عام 1997 قررت إدارة كلينتون عدم فرض تراخيص أو موافقة مسبقة على محتوى الإنترنت أو تجارته، وثبّت الكونغرس هذه القيود، مما ساهم في هيمنة الشركات الأميركية على الإنترنت التجاري. وفي عام 2004، منع الكونغرس إدارةَ الطيران الفيدرالية من وضع قواعد لسلامة الركاب في الرحلات الفضائية التجارية، ما سمح للصناعة بالنضوج.
وتحتوي المقترحات الثلاثة على المشكلة نفسها بطرق مختلفة، فاقتراح ألتمان إنشاء هيئة شبيهة بالوكالة الدولية للطاقة الذرية لا يناسب الذكاءَ الاصطناعي، فالوكالة تتعامل مع مواد نووية مادية ونادرة، بينما الذكاء الاصطناعي برمجياتٌ موزعةٌ عالمياً، مفتوحةُ المصدر بصورة متزايدة، قابلةٌ للنسخ والتعديل وتنتقل بسرعة الإنترنت.
أما مقترح مجلس النواب بإخضاع مطوري الذكاء الاصطناعي لمدققين مرخصين وفق نموذج إدارة الطيران الفيدرالية فسيكون بطيئاً للغاية، إذ يستغرق اعتماد طائرة جديدة من خمس إلى تسع سنوات، بينما تتطور تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بوتيرة شهرية. كما تعتمد إدارةُ الطيران نفسها على مهندسي الشركات المصنعة في المراجعة لامتلاكهم الخبرة، ما سيجعل هيئة اعتماد الذكاء الاصطناعي معتمدة على الشركات التي تُشرف عليها.
أما مقترح غوغل لإنشاء هيئة ذاتية التنظيم تحت إشراف حكومي، فقد يخنق المنافسة؛ فعندما يضع قطاعٌ ما قواعدَه الخاصة تحت سلطة حكومية، يصبح اتباع تلك القواعد سلاحاً تستخدمه الشركاتُ الكبرى ضد الداخلين الجدد إلى السوق، حيث يصوغون المعايير لتتوافق مع ممارساتهم، ويحولون أنفسَهم إلى حراس بوابة يمنعون المنافسين الجددَ من دخول السوق. ويظهر ذلك في قطاع التصنيف الائتماني، حيث أدى اعتماد واشنطن عدداً محدوداً من وكالات التصنيف كجهات رسمية إلى تركز الصناعة واستمرار هيمنتها.
ويكمن الخطأ المشترك بين هذه الجهات الثلاث في ترتيب الخطوات: فقد بنوا الهيئة التنظيمية قبل تحديد ما لا يُسمح لها بفعله. ويجب تحديد الحدود أولاً، ثم تحديد ما يجب بناؤه ضمنها.
*نائب مدير مكتب الميزانية بالبيت الأبيض عام 2020، ووكيل وزارة النقل (2017-2019)
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


