جريدة الإتحاد - 8/29/2026 10:32:37 PM - GMT (+4 )
يصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه بأنه «الرئيس الذي سيجعل الأميركيين قادرين على تحمّل تكاليف المعيشة». غير أن سياساته التجارية الأخيرة تقدم صورة مختلفة تماماً. ففي الوقت الذي يواجه فيه الأميركيون ارتفاعاً حاداً في تكلفة الحياة، قرر الرئيس أن المشكلة التي تستحق المواجهة هي السلع الكندية الرخيصة التي تدخل السوق الأميركية.
بعد انهيار المحادثات التجارية بين الولايات المتحدة وكندا الجمعة الماضية، دخلت رسوم جمركية جديدة بنسبة 50% حيز التنفيذ على مجموعة واسعة من السلع الكندية، من بينها الحليب، ومعدات هوكي الجليد، والأسمنت، والأثاث، وتجهيزات الإضاءة، ومختلف الأدوات، ومكونات الأسوار، والأخشاب، والقوالب الخشبية، وأنواع من الخشب الرقائقي والألواح الليفية والمكسوة بالقشرة. وتأتي هذه الرسوم إضافة إلى التعريفات الأميركية المفروضة بالفعل على الصلب والأخشاب والسيارات. وقال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إن بلاده ستبدأ فرض رسوم انتقامية على الواردات الأميركية اعتباراً من 8 سبتمبر المقبل. والمفارقة الساخرة هنا أن كندا هي ثاني أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة، وكأن الأمر لا يستدعي القلق.
والمفارقة الأخرى أن ترامب نفسه كان قد أشاد باتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، التي حلت محل اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية عام 2020، ووصفها بأنها «أكثر اتفاقيات التجارة عدلاً وتوازناً وفائدةً وقعناها على الإطلاق»، بل قال إنها «أفضل اتفاقية أبرمناها على الإطلاق».
وفي يوليو 2024، قال جيه دي فانس، الذي كان حينها مرشحاً لمنصب نائب الرئيس: «نعتقد بأن مليون محمصة خبز زهيدة مقلدة لا تساوي ثمن وظيفة واحدة في قطاع التصنيع الأميركي». إلا أن ذلك يحتاج إلى المراجعة، فحماية وظيفة واحدة قد تعني حرمان عدد هائل من الأميركيين من شراء محمصات أرخص، بينما لن يتمكن بعضهم أصلاً من تحمل تكلفة المحمصات الأغلى المصنعة محلياً.
وبحسب هذا المنطق، قد يضطر ملايين الأميركيين إلى الاستغناء عن الخبز المحمص حتى لا يخسر عامل واحد وظيفته في أي مكان من البلاد. وعندما تقضي سنوات في التأكيد أن حماية الوظائف المحلية أهم من توفير السلع الأرخص للمستهلكين، يصبح من الصعب تصديق أن القدرة على تحمل تكاليف المعيشة هي بالفعل أهم أولوياتك.
ويصبح من الأصعب أيضاً تصديق وصف ترامب لنفسه في منشور على منصة «تروث سوشيال» في نوفمبر الماضي بأنه: «رئيس القدرة على تحمل التكاليف». لقد أوضحت الإدارة هدفها الأساسي بالفعل، وهو أنه لا ينبغي للأميركيين الحصول على سلع مستوردة أرخص إذا كان انخفاض أسعارها قد يهدد وظائف التصنيع الأميركية القائمة، حتى لو كانت وظيفة واحدة، وفقاً لمنطق فانس. وليس من المستغرب أن يشعر «الجمهوريون» في الكونجرس بانزعاج متزايد من تسرع ترامب في شن الحروب التجارية. ففي عام 2018، لخص الرئيس فلسفته بإيجاز قائلاً: «الحروب التجارية جيدة، ومن السهل الفوز بها». وحذرت «سوزان كولينز»، السيناتورة «الجمهورية» عن ولاية «مين» من أن الرسوم الجديدة سترفع تكاليف المعيشة على الأسر في الولاية، لأن معظم الشركات لن تجد خياراً سوى تحميل التعريفات على المستهلكين من خلال رفع الأسعار.
وأضافت أن ولاية «مين» تستورد من كندا نحو ملياري دولار سنوياً من المنتجات غير النفطية، مضيفة أنها تلقت منذ الإعلان الأول عن الرسوم رسائل من شركات ومزارعين وصيادي جراد البحر يشعرون بالقلق من تكلفة التعامل مع التعريفات، وغياب سلاسل الإمداد المحلية، واحتمال فرض كندا رسوماً انتقامية.
وفي يوليو، بدا زعيم الأغلبية «الجمهورية» في مجلس الشيوخ، جون ثون، عن ولاية ساوث داكوتا، وكأنه لا يرغب في خوض حرب تجارية جديدة قبيل انتخابات التجديد النصفي.
وقال للصحفيين إنه ليس من المؤيدين بشدة للتعريفات كقاعدة عامة، إلا إذا كان هناك مبرر وهدف محدد ورءها، مثل خلق بيئة تنافسية أكثر عدلاً للشركات الأميركية والاقتصاد. الخبر السار للجمهوريين هو أن التأثير الاقتصادي الكامل للحرب التجارية مع كندا لن يظهر قبل تصويت الأميركيين في انتخابات التجديد النصفي. ففي عام 2022، أدلى ما يقرب من نصف الناخبين بأصواتهم قبل يوم الانتخابات. وفي مينيسوتا وداكوتا الجنوبية وفرجينيا، يبدأ التصويت المبكر لانتخابات التجديد النصفي في 18 سبتمبر.
أما الخبر السيئ فهو أن هذه ليست البيئة الاقتصادية التي يرغب «الجمهوريون» في خوض الانتخابات فيها؛ إذ يُؤيد نحو ثلث الأميركيين أداء ترامب في الاقتصاد، بينما يقول ثلثاهم إن أسعار المواد الغذائية باهظة.ويستمر الرئيس الذي يصف نفسه بـ«رئيس القدرة على تحمل التكاليف» في ابتكار طرق جديدة لرفع أسعار السلع. لكن على الأقل، سيكون مصنعو عصي الهوكي الأميركيون سعداء.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*كاتب أميركي
إقرأ المزيد


