جريدة الإتحاد - 8/29/2026 10:53:54 PM - GMT (+4 )
للوهلة الأولى، تبدو نتائج الانتخابات التمهيدية التي جرت في ولايتي ميشيجان وفلوريدا الشهر الجاري وكأنها تعكس انفتاح الحزبين على شرائح أوسع. ورغم أن الناخبين الأميركيين من ذوي الأصول الأفريقية يشكّلون نسبة ضئيلة من قاعدة «اليمين» المؤيد لحركة «ماجا»، «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً»، واليسار الاشتراكي «الديمقراطي» على مستوى البلاد، فإن سياسيين سود تصدّروا المشهد في الولايتين. لكن التدقيق يكشف سمة أساسية في السياسة الراهنة: «الجمهوريون» أحكموا قبضتهم على اختيار مرشحيهم، بينما فقد «الديمقراطيون» سيطرتهم على العملية، والمفارقة أن النتيجة كانت قيادة سياسية أكثر تنوعاً.
وقد تكون التداعيات تاريخية، فلم يسبق أن انتُخب «جمهوري» من أصول أفريقية حاكماً في أميركا، ولكل ولاية مرشّح يسعى إلى أن يصبح الأول: النائب جون جيمس في ميشيغان، والنائب بايرون دونالدز في فلوريدا. وأيّد الرئيس دونالد ترامب كليهما، ما ساعدهما على الفوز في الانتخابات التمهيدية. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن جيمس يتخلف عن المرشح «الديمقراطي»، بينما يبدو دونالدز في موقع قوي في فلوريدا ذات الأغلبية «الجمهورية» الساحقة. وفي عهد ترامب، وصل عدد «الجمهوريين» السود في الكونجرس إلى أعلى مستوى منذ حقبة إعادة الإعمار، ومن بينهم تيم سكوت، عضو مجلس الشيوخ عن ساوث كارولاينا وأطول أعضاء مجلس الشيوخ السود خدمة في تاريخ البلاد. وإذا فاز جيمس أو دونالدز في نوفمبر، فسيضاف منصب الحاكم إلى قائمة إنجازات الحزب «الجمهوري».
ومع ذلك، يحقق الاشتراكيون «الديمقراطيون» السود نجاحاً غير مسبوق في الولايتين. فقد فاز دونافان ماكيني، عضو المجلس التشريعي لولاية ميشيغان، بترشيح الحزب «الديمقراطي» في دائرة انتخابية مضمونة للحزب تغطي معظم ديترويت، لينضم إلى النائبة رشيدة طليب، وهي أيضاً عضو في «الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا»، التي تُمثّل دائرة مجاورة.
وفي فلوريدا، حققت أنجي نيكسون، عضو المجلس التشريعي للولاية التي انضمت إلى «الاشتراكيين الديمقراطيين الأميركيين» في يونيو، مفاجأة بفوزها بترشيح الحزب «الديمقراطي» لمقعد في مجلس الشيوخ الأميركي. وإذا نجح ماكيني ونيكسون، فستكون ميشيغان، التي تضم واحدة من أكبر التجمعات الحضرية للسود في البلاد، وفلوريدا، صاحبة ثاني أكبر عدد من السكان السود، ممثلتين بـ«اشتراكيين ديمقراطيين»، رغم اعتراض قيادات الحزب.
فكيف أصبح هؤلاء المرشّحون، الذين يختلفون اختلافاً كبيراً عن قواعد فصائلهم الانتخابية، ممثلين لها؟ إجابة «الجمهوريين» بسيطة: لأن ترامب أراد ذلك. ففي بيئة شديدة الاستقطاب، أصبح ترامب الحكَم على مدى التزام المرشحين بعقيدة الحزب. وقد أحكم قبضته على «الجمهوريين» إلى حدٍّ باتت فيه حركته «لنجعل أميركا عظيمة مجددًا» أو «ماغا» والمحافظة السياسية امتداداً لرؤيته الشخصية.
أما إجابة «الديمقراطيين» فبسيطة أيضاً: لأن المؤسسة الحزبية رفضت، إذ أن نحو ثلثي «الديمقراطيين» يقولون إنهم محبطون من الحزب ويعتقدون أنه يحتاج إلى قيادة جديدة. وفي سباقات ذات تداعيات وطنية، تحدّى الناخبون في الانتخابات التمهيدية اختيارات المؤسسة.
بعبارة أخرى، يفرض اليمين التغيير من أعلى الهرم إلى أسفله، بينما يدفعه اليسار من الأسفل إلى الأعلى. وقد فتح النّهجان معاً الطريق أمام مرشحين غير تقليديين.
ولا يعتبر ذلك مفاجئاً تماماً. فقد وجد علماء السياسة أنه كلما أصبح الناخبون البيض أكثر محافظة، زاد احتمال دعمهم مرشحين من الأقليات عن الحزب «الجمهوري»، كما أن تأييد ترامب يمنح المرشّح شرعية ويسرع طريقه إلى الترشيح، سواء كان يتمتع بمؤهلات تقليدية، مثل جيمس، أو يفتقر إلى الخبرة ويثير الجدل، مثل هيرشل ووكر في عام 2022.
وفي الانتخابات المُستقطبة سياسياً، قد يُطغى التزام المرشح الأيديولوجي على التحيز العنصري لدى اليمين. أما على اليسار، فيُشير الباحثون إلى أن «الديمقراطيين» البيض أكثر ميلاً للتصويت لمرشّحي الأقليات، ويُقدرون التمثيل الوصفي، عندما يتشارك المسؤولون المنتخبون سمات ديموغرافية مع ناخبيهم. وهذا ما قد يجعل المرشحين الاشتراكيين الديمقراطيين أكثر جاذبية للناخبين الساخطين في الانتخابات التمهيدية.
لكن شيئاً واحداً لم يتغير، وهو الهجمات العنصرية على المرشحين السود. ففي الانتخابات التمهيدية «الجمهورية» في فلوريدا، وصف أحد منافسي دونالدز بأنه «اختيار قائم على التنوع والمساواة والشمول»، وقال إنه «عبد» للمصالح المؤسسية، وسخر من اسمه قائلاً إن «بايرون يريد تحويل فلوريدا إلى حي فقير من أحياء الإسكان المدعوم». وفي ميشيغان، قال منافس جيمس، رجل الأعمال بيري جونسون، جيمس أيضاً إن الحزب رشّحه فقط لإظهار «التنوع والمساواة والشمول».
كما وصف قادة الأحزاب والوسطيون المرشحين «الاشتراكيين الديمقراطيين» بأنه لا يمكنهم الفوز. وهاجم ترامب، وفق أسلوبه المعتاد، مرشّحين وصحفيين سوداً يختلف معهم، واصفاً إياهم بأنهم غير أميركيين وغير أذكياء. كما وصف إنجي نيكسون بأنها «مجنونة يسارية متطرفة، لا تستطيع التحدث أو التفكير بشكل سليم». وهكذا، وبغضّ النظر عن الولاية أو الحزب أو التيار، يواجه المرشحون السود هجمات عنصرية، حتى عندما يكون دعم الناخبين البيض عاملاً أساسيًا في نجاحهم.
وقد يبدو صعود «الجمهوريين» الذين يفرضون التغيير من أعلى، و«الديمقراطيين» الذين يدفعون به من أسفل، إلى جانب مرشحين يختلفون عن القواعد الأيديولوجية لأحزابهم، مؤشراً على تقدم سياسي. فالناخبون السود، رغم انحيازهم الحزبي الكبير، متنوعون أيديولوجياً، ومن الطبيعي أن يعكس السياسيون السود هذا التنوع.
لكن النجاح الذي ظهر في ميشيجان وفلوريدا لا يعكس تحولاً في الناخبين. بل يكشف أن سياسيين طموحين تمكّنوا من استغلال ثغرات نظام الانتخابات التمهيدية الذي ينطوي على عيوب جوهرية ليست في صالحهم. وقد يصنع ذلك التاريخ ويفتح الباب أمام مسؤولين أكثر تنوعاً، لكنه لا يعني بالضرورة أن المناصب أو المؤسسات أصبحت أكثر تمثيلاً لإرادة الشعب.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*كاتب أميركي وضابط بحري متقاعد، يكتب عن قضايا العرق والديمقراطية.
إقرأ المزيد


