جريدة الإتحاد - 8/29/2026 11:18:54 PM - GMT (+4 )
ستُختبر قدرة البنوك المركزية واستعدادها لتصبح قوى دافعة للاستقرار العالمي بشكل متكرر في العقود القادمة. ولا يرجح أن يواجه أي بنك مركزي تحدياً أكبر من الاحتياطي الفيدرالي، (البنك المركزي الأميركي). فهذا هو عبء امتلاك الولايات المتحدة للعملة الاحتياطية الرئيسية في العالم. ولكن هل هو مستعد لمرحلة أكثر جدلاً في السياسة الخارجية الأميركية؟
كان التدخل الأميركي- الياباني المشترك لدعم الين، وهو الأول منذ 28 عاماً، مثالاً واضحاً على الدور المحوري للدولار في النظام المالي العالمي، وهو دور يستند جزئياً إلى مصداقية الاحتياطي الفيدرالي واستقلاله. لكن المرحلة الجديدة ستجلب ضغوطاً سياسية متزايدة لاستخدام الدولار لمكافأة الحلفاء ومواجهة الخصوم، في وقت تسعى فيه الصين إلى توسيع دبلوماسيتها النقدية، ويطمح البنك المركزي الأوروبي إلى تعزيز مكانة اليورو.
وبينما تتشكل حالياً ساحات الصراع المستقبلية اقتصادياً وتكنولوجياً وجيوسياسياً، سيكون للبنوك المركزية دور محوري يتجاوز السياسة النقدية، مثل الأمن والعقوبات وأنظمة المدفوعات واستقرار تدفقات رؤوس الأموال. وكان دعم وزارة الخزانة الأميركية للأرجنتين العام الماضي، في ظل توافق الرئيس خافيير ميلي مع أجندة ترامب اليمينية، إشارة مبكرة إلى نهج أكثر حزماً.
حتى الآن، لا يملك بنك مركزي آخر في العالم الأدوات التي يمتلكها «الاحتياطي الفيدرالي». ففي الأزمة المالية العالمية وجائحة كوفيد، فتح الفيدرالي خطوط مبادلة بالدولار أمام اقتصادات ومراكز مالية رئيسية، ما أتاح للبنوك المركزية الأجنبية الحصول على الدولار وإقراضه محلياً. وأسهمت هذه الآلية في تخفيف أزمات السيولة ومنع تفاقم الركود، وأكدت الدور المحوري للدولار في قلب التجارة العالمية.
وتقتصر خطوط المقايضة الدائمة مع الفيدرالي على حلفاء، مثل المملكة المتحدة ومنطقة اليورو واليابان وكندا، أو شركاء، مثل سويسرا. وخلال الأزمة المالية العالمية، حصلت أربع دول ناشئة على خطوط مؤقتة وفق معايير صارمة، وجُددت خلال الجائحة، بينما اضطرت دول أخرى إلى البحث عن بدائل. وفي 2020، أتاح برنامج منفصل لبعض الدول استخدام حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية كضمان للحصول على الدولار بدل بيعها، بما حال دون ضغوط إضافية على أسعار السندات والاقتصاد الأميركي.
وتسعى إدارة ترامب إلى استغلال المنطقة الرمادية بين السياسة الاقتصادية الخارجية والسياسة النقدية. فوزارة الخزانة تقود عادة السياسة الاقتصادية الدولية، بينما يركز الفيدرالي على استقرار الأسعار والعمالة والاستقرار المالي. ورغم التعاون التقليدي بين المؤسستين، كانت وزارة الخزانة تتجنب الظهور بمظهر من يصدر تعليمات للاحتياطي الفيدرالي، لكن إدارة ترامب أقل التزاماً بهذا العرف.
ويكشف تدخل الين عن هذا التغيير. فقد وصف وزير الخزانة سكوت بيسنت الخطوة بأنها وفاء بالتزامات ترامب تجاه شركاء أميركا الموثوق بهم. وكانت اليابان قد سعت لأشهر إلى إشراك واشنطن في الدفاع عن عملتها بعد فشل محاولاتها المنفردة في وقف تراجع الين.
كما أوضح «بيسنت» رغبته في زيادة تمويل تسهيل الضمانات الذي ستستخدمه اليابان، بما يعكس استعداد واشنطن للاستفادة علناً من أدوات البنك المركزي لتحقيق أهداف دبلوماسية، مع ممارسة الضغط عليه.
وقد يشجع هذا النهج الإدارات الأميركية المقبلة، «ديمقراطية» كانت أم «جمهورية»، على استخدام الأدوات المالية بالطريقة نفسها. وهذا يثير مخاوف سابقة لدى الفيدرالي من أن خطوط المبادلة قد تدفعه إلى اتخاذ قرارات سياسية بشأن مدى جدارة الدول للدعم.
وخلال العقود الثلاثة الماضية، ركز صانعو السياسة النقدية أساساً على مهامهم المحلية، مع تدخلات دولية محدودة عند الضرورة، مثل توفير السيولة العالمية بعد انهيار بنك «ليمان براذرز» عام 2008، أو إنقاذ اليورو خلال أزمة الديون الأوروبية. وتظل المؤسسات الاقتصادية الموثوقة مصدر قوة للدولة، لكن يجب على السياسيين استخدامها بحكمة.
وبررت واشنطن دعمها للرئيس الأرجنتيني خافيير مايلي جزئياً بأنه وسيلة للحد من نفوذ بكين في أميركا اللاتينية، وهو ما يتوافق مع هدف بيسنت في الحفاظ على هيمنة الدولار، مع تلميحه إلى أن هذه المهمة لن تقع على عاتق الفيدرالي وحده.
لكن هيمنة الدولار تفرض مسؤوليات وتطرح سؤالاً صعباً: أين تنتهي الضرورة المالية وتبدأ السياسة؟ فقد أفادت تقارير بأن الهند طلبت خط مبادلة من الفيدرالي ورُفض طلبها، بينما حصل بنك الاحتياطي الهندي على دعم مماثل من اليابان. واعتبر بول تاكر، النائب السابق لمحافظ بنك إنجلترا، أن رفض مساعدة الهند كان مستغرباً نظراً إلى صعودها كقوة اقتصادية.
وتكثف الصين جهودها لتعزيز دور اليوان في الأمن الاقتصادي، ووقعت حتى نهاية العام الماضي اتفاقات لدعم أكثر من 20 دولة. لكن «اليوان» لا يزال يمثل نسبة ضئيلة من الاحتياطيات العالمية، مقابل نحو 57% للدولار و20% لليورو.
ومع سعي الصين إلى تقليص الفجوة، قد يصبح إغراء استخدام النفوذ المالي أكبر، حتى مع التغاضي عن نقاط ضعف بعض الشركاء. وعلى بيسنت ورئيس الفيدرالي كيفن وارش تحقيق التوازن الدقيق.ستؤدي البنوك المركزية دوراً متزايداً في صراع النفوذ العالمي. وكما أعلن الرئيس الأميركي الأسباق وودرو ويلسون عند دخوله الحرب العالمية الأولى، فإن الولايات المتحدة لم تعد دولة منعزلة. وفي القرن الـ21، ستكون الأفضلية للبنوك المركزية التي تدرك دورها العالمي وتمارسه دون أن تفقد استقلالها.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*كاتب متخصص في اقتصادات آسيا.
إقرأ المزيد


