التبرعات لا تعيد بناء الأحزاب
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

غالباً ما يحمل البريد الإلكتروني المرسل من الحزب الديمقراطي لجمع التبرعات عنواناً يبدو كما لو أنه أُرسل من حبيب يشعر بالندم مثل: «هل يمكنني أن أشرح؟»، «أنت تستحق تفسيراً»، أو عبارة أخرى تبدو أقرب إلى مستشار أعمال ساذج يحاول لفت الانتباه بمصطلحات جوفاء مثل: «هل يمكنني أن أوضح لك الصورة يا ميشيل؟».
غير أن تلك الرسائل توحي منذ البداية بعدم الثقة بالنفس والتوسل والندم، وهي بالكاد أجواء فريق سياسي واثق من نفسه يخوض معركةً عادلةً، بل تستدعي دفع تكاليف جلسات علاج جماعي لأعضائه.
لقد كان عهد الرئيس دونالد ترامب مؤثراً على الحالة النفسية للديمقراطيين، وفي كل مرة يرى فيها قادة الحزب الرئيس أثناء أداء مهامه أو يقرأون إحدى رسائله الليلية عبر منصته «تروث»، يعاودهم التساؤل: كيف استبدلَنا الناخبون بهذا الرجل؟
لكن لا داعي للتذمر العلني ولوم الذات، فطلبات التبرع مزعجة بالفعل. ويحتاج الديمقراطيون بالذات إلى استعادة بعض احترامهم لذاتهم وطمأنة الناخبين إلى أنه لا يُطلب منهم دعم مجموعة من الخاسرين. وربما حان الوقت لإعادة التفكير في هذه الاستجداءات السامة والمملة.
وعلى الجانب الآخر، تمثل طلبات التبرع الجمهورية نوعاً آخر من الكوابيس. فالإلحاح الزائف وإثارة الذعر، اللذان لطالما لازما جمعَ التبرعات السياسية، تصاعدا بشدة في عهد ترامب. كل أسبوع، هناك عشرات الرسائل المبالغ فيها من الحزب الجمهوري وحلفائه، تختزل مضمونها في: أرسل لنا 20 دولاراً الآن، وإلا فإن باراك أوباما وهيلاري كلينتون سيرسلان أتباعَهما الذين يأكلون الأطفال ويتسامحون مع الإرهابيين ويعبدون الشيطان إلى منزلك لسجن عائلتك وتحويل كلبك إلى شيوعي.
وغالباً ما تأتي هذه الهستيريا مصحوبةً بالغطرسة، فهي لا تطلب مشاركتك بقدر ما تأمرك بها، فمثلًا قالت رسالة من كيليان كونواي: «أكد فوراً انتماءَك للحزب الجمهوري». 
وكما هو حال المنتمين إلى حركة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» («ماغا»)، فإن التهديد بإخراج المتلقين من الجماعة يملأ تلك الرسائل. فكثيراً ما تتضمن رسائل التبرعات التي يرسلها الحزب الجمهوري وحلفاؤه عبارات مثل: «عضوية ماغا: أُلغيت»، و«الإنهاء قيد الانتظار»، و«تحذير نهائي: الإنهاء الكامل والتام»، في إشارة إلى أن عدم الاستجابة لطلب التبرع قد يؤدي إلى إنهاء عضويتهم.. ومع ذلك سيعودون دائماً للمطالبة بالمزيد من المال.
لكن تُحسب للجمهوريين نقطة واحدة، وهي أن مَن يتخلص من الخوف والهستيريا السامة في طلباتهم، فقد يتوصل إلى الأمور البناءة. فكثير من رسائلهم تروج لشعور بالفخر والانتماء، وهما من الدوافع الأساسية لدى حركة «ماغا». كما تشدد الحركة على قيمة الحفاظ على مكان المرء داخل الجماعة، وعلى الحزن الناتج عن فقدانه. وقد حذرت رسالة من اللجنة الوطنية الجمهورية لانتخابات مجلس الشيوخ مؤخراً: «أيها الوطني، لن يصل قميص أميركا 250 الخاص بك في الموعد إذا انتظرت».
وتتمثل إحدى المشكلات الأساسية في الترامبية عموماً في اعتمادها على الانقسام لتعزيز ذلك الشعور بالانتماء للمجتمع. وهذا يجعل من الضروري أن يطرح الديمقراطيون عرضاً مضاداً قوياً وواثقاً وجذاباً، يتناسب مع روح ومبادئ الحزب. ويمكنهم الاستغناء عن حديث «الوطنيين»، فهذا ليس أسلوب ناخبيهم، كما أن الأوامر المتسلطة لن تلقى على الأرجح صدى لدى حزب لم يعتد على اتباع زعيم قوي.
غير أن العمل على إثارة شعور انتماء الأميركيين لشيء أكبر من أنفسهم يظل رهاناً رابحاً، مثل الطاقة الحماسية التي حملتها حملة أوباما الرئاسية الأولى وما صاحبَها من أمل ورغبة في التغيير. ورغم ما قد يبدو عليها من استرجاع مبالغ فيه للماضي، جعلت تلك الحملةُ الناسَ يشعرون بالرضا عن أنفسهم وعن القائد الذي يدعمونه. وينبغي للديمقراطيين أن يركزوا مجدداً على جعل الناخبين يشعرون بالفخر بدعم فريقهم.
ويعتبر جمع الأموال من المواطنين الأميركيين عملية فنية مظلمة. فالمستشارون يختبرون كل عنصر لدفع الأشخاص، وغالباً غير المهتمين بالسياسة، إلى فتح الرسالة والتبرع. وتخضع النبرة والتوقيت ولون الخلفية للتحليل. وخلال حملة أوباما عام 2012، لاحظ خبراءُ جمع التبرعات ارتفاعاً في التبرعات عندما كان المرشح يتعثر، مثل أدائه السيئ في إحدى المناظرات، فسهّلوا عملية التبرع، حتى يستطيع الشخص التبرع فوراً وهو في لحظة انفعال.وقد تنجح طلباتُ التبرعات على المدى القصير، لكنها على المدى الطويل قد تُفقد الناسَ الثقةَ بالعملية السياسية بسبب الإلحاح الزائف والألفة المصطنعة. وكما تقول ليز سميث، خبيرة الاتصالات لدى الحزب الديمقراطي، فإن هذه الأساليب «تقوض الثقة والطاقة» وتؤدي في النهاية إلى إرهاق الناخبين. لذا يحتاج الديمقراطيون إلى التركيز على بناء العلاقات والقيم المشتركة، وتقديم رسالة أكثر إلهاماً بدلًا من الإيحاء بأن الناخبين «ليس أمامهم خيار آخر». فقلةّ من الناس تتحمس للاستثمار في حزب يبدو مهزوزاً وخاسراً.

 *صحفية وكاتبة عمود أميركية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»



إقرأ المزيد