حرب أوكرانيا ومعضلة أسعار الوقود في روسيا
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

كان الروس يعتقدون أن طوابير الانتظار لشراء السلع أصبحت من ذكريات الماضي البعيد، لكنهم يعيشون هذه التجربة مجدّداً بسبب تكثيف الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة على مصافي النفط الروسية.
وبدلاً من مواجهة الارتفاعات الحادة في أسعار الوقود التي تشهدها مناطق كثيرة حول العالم، يكافح الروس للتعامل مع تقنين الحكومة إمدادات الوقود، ما يضطرهم إلى البحث عن محطات بها مخزون متاح، ثم انتظار دورهم لتعبئة خزانات سياراتهم.
ويقول سيرغي كاناييف، رئيس اتحاد مالكي السيارات في روسيا، إن تعبئة خزان السيارة خلال نصف ساعة في أي منطقة روسية تعني أن السائق محظوظ للغاية، إذ يستغرق الأمر عادة ساعة أو أكثر. وكثيراً ما يترك أشخاص سياراتهم في محطات الوقود، ثم يعودون إليها مسرعين على الدراجات الهوائية عندما يتوافر الوقود. ويمكن رؤية سيارات متروكة قرب المحطات في كل منطقة تقريباً، في وضع لا يرضي أي سائق.
وأدّت نحو 70 ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مصافي النفط الروسية منذ بداية العام الحالي إلى توقف نحو 30% من الإنتاج، ما تسبّب في نقص واسع للوقود وفرض أنظمة مختلفة لتقنينه في 50 منطقة روسية. وأوقفت مئات المحطات عملياتها، فيما قيّدت أخرى المشتريات بخمسة غالونات في المرة الواحدة. وفي مناطق كثيرة، لا يُسمح للسائقين بالتزود بالوقود إلا في أيام محددة، وفقاً لأرقام لوحات سياراتهم.
وتمكّن بعض الموزّعين المستقلين من رفع الأسعار بنسبة 50% أو أكثر، ما أتاح لمن يستطيعون دفع مبالغ إضافية ملء خزاناتهم بسهولة. لكن سلاسل المحطات الكبرى أبقت الأسعار مستقرّة نسبياً تحت ضغط الحكومة لكبح التضخم، فامتدت طوابير الانتظار من المحطات العاملة إلى الطرق الرئيسية في موسكو ومدن روسية أخرى.
وأظهر استطلاع أجراه مركز «ليفادا»، لاستطلاعات الرأي المستقلة في روسيا، أن الغالبية العظمى من المشاركين واجهوا نقصَ البنزين، إذ قال 55% إنه جعل حياتهم أكثر صعوبة، فيما ذكر 32% أنه «عرقل أنشطتهم اليومية بشدة. وظهرت عشرات الأدوات على الإنترنت لمساعدة السائقين على تحديد المحطات التي توفر الوقود الذي يحتاجون إليه، وتجنّب الازدحام». 
ويفضّل السائقون الروس تطبيقات أنشأتها مصارف كبرى، مثل «سبيربنك» المملوك للدولة، وتستخدم بيانات بطاقات الائتمان لعشرات الملايين من العملاء لتحديد المحطات التي يتمكن السائقون من شراء الوقود منها. أما شركة «ياندكس»، العملاق الرقمي الروسي ونظير «جوجل»، فتمتلك تطبيقاً شائعاً يعالج تدفقات بيانات متعددة لإنشاء خريطة تفاعلية، توضح في الوقت الفعلي مدى توفر درجات مختلفة من البنزين، وأوقات الانتظار، واحتمالية نفاد الإمدادات في أكثر من 20 ألف محطة وقود في جميع أنحاء البلاد.
ويبدو أن استهداف مصافي النفط ومستودعات السلع الاستهلاكية الروسية، جراء الحرب الأوكرانية، نقل آثار الحرب إلى الحياة اليومية لملايين الروس، لكن ليس واضحاً حجم الأضرار التي ألحقتها بقدرات روسيا العسكرية.
وفي ظل الضوابط الاقتصادية في زمن الحرب، يأتي المستهلكون في نهاية قائمة الأولويات للحصول على البنزين والديزل، بعد الجيش والصناعات الدفاعية، التي لا تزال إمداداتها كافية. واضطرت روسيا إلى استيراد منتجات البنزين من دول صديقة، مثل الهند وبيلاروسا وكازاخستان، وفرضت حظراً على صادرات الديزل حتى نهاية أكتوبر على الأقل. لكن ارتفاع أسعار النفط العالمية جعل إيرادات صادرات النفط الخام الروسية في سبتمبر الأعلى منذ بداية الحرب.
كما يصعب تحديد مدى تغير الرأي العام تجاه الحرب الدائرة. فقد أسفرت انتخابات مجلس الدوما، المجلس الأدنى للبرلمان الروسي، التي جرت الشهر الماضي، عن أغلبية موالية للكرملين، كما كان متوقعاً. ويُشكّل المحاربون القدامى في حرب أوكرانيا نحو 10% من أعضاء مجلس الدوما الجديد، كنتيجة لجهود الكرملين لتجنّب الاضطرابات الاجتماعية المحتملة، عبر تسهل إعادة دمج العائدين من الحرب في المجتمع.
وفي مرسوم رئاسي صدر في أغسطس الماضي، أمر الكرملين الشركات الروسية الكبرى بحماية مصافيها ومنشآتها الصناعية بنفسها، وإلا خاطرت بوضع ممتلكاتها تحت إدارة الدولة.

*صحفي متخصص في الشؤون الروسية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»



إقرأ المزيد