إسرائيل.. والتقديرات الخاطئة تجاه «حماس»
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

يتطلب أي نقاش حول تداعيات أحداث 7 أكتوبر الإقرار بحقيقتين: الأولى هي أن التاريخ الإسرائيلي- الفلسطيني لم يبدأ أو ينتهِ في ذلك التاريخ، والثانية هي أن الأثر المؤلم لهذه الأحداث التي وقعت في ذلك اليوم ليس المسؤول الوحيد عن التحولات الجذرية التي شهدتها السنوات الثلاث التالية.
وقد ارتكبت جميع الأطراف المعنية بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني أخطاءً فادحة في التقدير، مما مهّد الطريق لهجوم «حماس» الدامي عبر الحدود وللرد الإسرائيلي عليه. وهناك تناقضات تتمثل في أنه على مدى عقود، خنق الاحتلال الإسرائيلي قطاع غزة، وفي الوقت نفسه، رأت الحكومة الإسرائيلية، ببرود واستخفاف، أن من مصلحتها دعم دور «حماس» في إدارة غزة. وسمحت لها بتلقي عشرات الملايين من الدولارات شهرياً لتمويل الحكم. فقد أعفت «حماس» إسرائيل من عبء إدارة القطاع، وعزّزت حجتها القائلة إنه لا يوجد شريك فلسطيني يمكن تحقيق السلام معه.
 ورغم أن الحكومة الإسرائيلية كانت تنظر بوضوح إلى «حماس» باعتبارها عدواً، فإنها اعتقدت أنها تستطيع احتواءها من خلال شن غارات جوية «انتقامية» بين الحين والآخر، تعقبها «فترات من الهدوء». أما «حماس»، فقد استقرت في دورها في إدارة غزة والسيطرة عليها، وعزّزت دخلها من خلال الواردات عبر السوق السوداء وفرض الضرائب، مع الحفاظ على صورتها بوصفها حركة «مقاومة».
 ورداً على الاستفزازات الإسرائيلية في القدس والضفة الغربية، كانت الحركة تُطلق صواريخ أغلبها محدود الضرر، لتخلق انطباعاً بأنها تمارس «المقاومة»، في حين تزايد النظر إلى السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية باعتبارها عاجزة عن التصدي للعداء الإسرائيلي.

وبدا أن حماس لا تكترث بأن الردود الإسرائيلية على صواريخها البدائية كانت غالباً قصفاً غير متناسب، يسفر عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا الفلسطينيين.وفي مرحلة ما، لجأت «حماس» إلى تكتيك جديد، فحشدت مظاهرات، احتجاجاً على الحصار الإسرائيلي المفروض على غزة. لكن الرد الإسرائيلي جاء، كعادته، وحشياً، إذ أطلق قناصة النار على شبان فلسطينيين متظاهرين من مسافات تصل إلى مئات الياردات، فقتلوا وأصابوا المئات، رغم أنهم لم يشكّلوا تهديداً حقيقياً.
وبينما كان الوضع في غزة يغلي من دون أن تلوح في الأفق أي انفراجة، لم تفعل الولايات المتحدة شيئاً لتخفيف حدة التوتر، فلم تضغط على الإسرائيليين للاستجابة للاحتياجات الفلسطينية، ولم تقدم للفلسطينيين ضمانات بأن شواغلهم تحظى بمكان على جدول أعمالها. بل إن تقدير إدارة بايدن للصراع كان متطابقاً مع التقدير الإسرائيلي. ففي سبتمبر 2023، أي قبل أسابيع قليلة من الهجوم، قال مستشار الأمن القومي لبايدن إن الشرق الأوسط يسوده الهدوء، وإن خطوات تُتخذ لدفع عجلة السلام في المنطقة على نطاق أوسع، من دون الالتفات إلى محنة الفلسطينيين.
وفي ضوء ذلك، ربما كان هجوم «حماس»، كما تكهّن البعض، محاولة لصدمة الإسرائيليين والأميركيين ودفعهم إلى التعامل مع مشاعر الإحباط الفلسطينية، أو بمثابة تحذير لهم. وقد تبين مؤخراً أن «حماس» أرسلت بالفعل تحذيرات عبر عدة وسطاء بشأن هجوم وشيك. مما يقودنا إلى مجموعة أخرى من الأخطاء في التقدير والأسئلة التي تتطلب إجابات.
لماذا تجاهلت إسرائيل التحذيرات التي تلقّتها؟
وأخيراً، هناك مجموعة ثالثة من الأخطاء في التقدير. ففي الأيام الأولى التي أعقبت السابع من أكتوبر، بدأ نتنياهو يبعث برسائل تنذر بالخطر، تشير إلى أنه لا ينوي الاكتفاء بالرد أو الانتقام، بل أشار إلى ما هو أكثر من ذلك، كما دعا أعضاء في حكومته إلى منع دخول أي غذاء أو ماء إلى غزة.

وعندما أصبح واضحاً أن النية الإسرائيلية تجاوزت مجرد الرد الانتقامي، واتجهت إلى جعل غزة مكاناً غير صالح للعيش، فلماذا لم تفعل الولايات المتحدة شيئاً لكبح جماح إسرائيل؟ فمنذ البداية، أعرب مسؤولون في إدارة بايدن بوضوح عن دعمهم للأهداف الإسرائيلية في غزة، ورفضوا الدعوة إلى وقف إطلاق النار إلى حين القضاء على «حماس». فهل كانوا يعتقدون حقاً أن بالإمكان القضاء على الحركة من دون سقوط عشرات الآلاف من القتلى الفلسطينيين؟

وبينما كانوا يشاهدون إسرائيل تدمر معظم البنية التحتية في غزة، من المنازل والمستشفيات والمدارس وأنظمة تنقية المياه والطرق، هل كانوا يعتقدون حقاً أن أهداف إسرائيل سياسية وليست الإفراط في الانتقام؟ هذا ما كان عليه القصد الخبيث وسوء التقدير اللذان قادا إلى هذه الكابوس. وفي مقال لاحق، سنتناول التداعيات المستمرة له. 


*رئيس المعهد العربي الأميركي



إقرأ المزيد