أول ابتسامة عيد الفطر
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

أول ابتسامة عيد الفطر، كانت لمزة، ثم همزة، ثم غمضة عين على فرحة هطلت على قلوب الصغار الذين تسمروا أمام شاشات التلفاز في انتظار النبأ السار، وهي سمة، وشيمة، لدى اللذات حيث للعيد مذاقه، ولصباحه سيمفونيته الفريدة، عيد يأتي بلباس الفرح، عيد يحمل في طيات أيامه صفحات بيضاء ناصعة من غير سوء.
في تلك الومضة، في تلك اللحظة خطرت على بال المعنى صورة تزحلقت من سفح تاريخ عميق في الذاكرة، صورة لها بوحها، وفوحها، وفرحها، وجرحها، ونبرتها على لسان الطفل الكبير الذي تلاشى زمنه وارتكب فضيلة النسيان، وهو يتسلق جبال ما تراكم، وما تزاحم، وما تفاقم، وما تلاحم بين الضلوع كأنه الطين بعد وابل هز أركاناً ومض أفناناً، وشاع واتسع، وبرى وانبرى، وكتب على سبورة الأيام، هذا صب من زمن الأزقة الضيقة، فاسكبوا على جسده ريحاً وريحاناً، واغسلوا أشواقه بماء وزعفران، وعزلوا معطفه من دموع وشموع، وقولوا له، هنا في هذا الزقاق كانت ملحمة، وكانت قصيدة نهلت من عظام صدره ما يرتب أبياتها، وما يعظم من شأن قافيتها.
 هنا في هذا الزقاق مرت ابتسامة أسف من قطنة البساتين المذهلة، هنا في هذا الزقاق عبرت قافلة العشاق، وانتحرت الأشواق، واستبدت، وأبادت، وباءت جل الخطوات بهزيمة منكرة، حتى نعى الطير روحاً كادت إن تشق قميص السماء من دبر، وكاد العاشق يهرق دم القصيدة، ولا يكف حبره عن النزيف، لا يجف دم الطير المذبوح.
عيد وبأي حال جئت يا عيد؟ وأنت تفصل الأحزان كما هي جلابيب العيد، كما هي زلزلة اللقاء الأول لطفل كبير عاين الزقاق حتى انبثقت نجمة من طرف خفي، وحتى ناولته رغيف ابتسامة ساخنة، من ثغر به الأشواق تحتسي كأس النهار بحرقة، ولا يكف الطفل عن مماطلة اليوم الأول، كونه اليوم الذي فيه تتجلى الشمس كأنها في رحلة الأبدية، وكأن الطفل الكبير يحبو على صدر المرحلة، مؤزراً بطموحات الطفولة، مكللاً بأحلام العفوية، متوجاً، بتطلعات الفطرة، تلك المضغة، تلك اللمسة، تلك الهمسة، تلم الشهقة التي شقت غشاء القمر، واستحال القمر إلى طبق برونق المقلة الصافية.
عيد، والعيد كائن سحري يتخطى حدود الأيام، ويعبر السنين، وكل الوجوه غابت، كل المشاهد تلاشت والعيد مستمر في العبور، العيد مستمرئ حب التوالي في الإعادة والتكرار، وهذه هي معضلة الطفل الصغير، يرى العيد، ولا يرى من وضع الابتسامة الأولى على ثغره، لا يرى من رسم الصورة في عينيه.
عيد، والعيد يمارس لعبة السرد، وأغنيات الطفولة، في غياب الطفل الذي كان، وغياب اللحن الوجودي في أول صباح، مرّ من هنا، من جادة القلب، وهز الضلوع حتى تمزقت قماشة الأحلام، ومارت الجبال، ومادت الأرض.



إقرأ المزيد