الأوروبيون .. والواقعية في الأزمة الأوكرانية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

كان الأوروبيون يأملون أن يعود الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى رشده، أي إلى دعم أوكرانيا، حسبما يعتقدون. وقد انتعشت آمالهم حينما أعلن ترامب فرض عقوبات على شركتين نفطيتين روسيتين، معتقدين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استنفد صبر الرئيس الأميركي برفضه خطة السلام التي اقترحها رغم أنها كانت تصبّ في صالح روسيا. غير أن الإعلان عن خطة السلام الجديدة التي تمت صياغتها من قبل واشنطن وموسكو، دون مشاركة الأوروبيين أو الأوكرانيين، سرعان ما قضى على آمالهم بهذا الصدد. فهل يدفع ذلك الأوروبيين أخيراً إلى رؤية الواقع؟.
الحقيقة أن ترامب لم ينحز إلى صف الأوروبيين ولا إلى صف أوكرانيا، والخطة التي اقترحها أعادت في الواقع إنتاج الخطوط العريضة لشروط ومطالب بوتين. فالخطة تنص على أن تتخلى أوكرانيا ليس فقط عن جميع الأراضي التي خسرتها عسكرياً، ولكن أيضاً عن جزء آخر من الأراضي التي لم تسيطر عليها روسيا بعد. كما تنص على أن تقلِّص أوكرانيا جيشها بشكل كبير، وأن تتخلى عن أسلحتها بعيدة المدى القادرة على الوصول إلى الأراضي الروسية، وأن تتخلى عن أي وجود عسكري أجنبي محتمل على أراضيها، وهو ما يقضي عملياً على فكرة «تحالف الراغبين»، الذي أرادت الدول الأوروبية، وفي مقدمتها فرنسا، إنشاءه عبر نشر قوات تابعة لها في أوكرانيا، عقب أي اتفاق سلام، وذلك من أجل ضمان أمنها .  
وعلاوة على ذلك، فإن الخطة تنص على اعتراف واشنطن رسمياً بالضم غير القانوني بموجب القانون الدولي، للأراضي التي سيطرت عليها روسيا بالقوة، وتمنحها بالتالي اعترافاً قانونياً. بيد أنه إذا كانت مقترحات دونالد ترامب الأولى غير مقبولة، فإن مقترحات الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي المدعومة من الأوروبيين غير واقعية. ذلك أن الاعتقاد بأن أوكرانيا تستطيع استعادة إقليم دونباس أو شبه جزيرة القرم عسكرياً هو أمر غير واقعي، غير أنه الشرط الذي يشترطه الرئيس الأوكراني لقبول اتفاق السلام مع موسكو، وهو ما يعني إطالة أمد الحرب إلى ما لا نهاية. والحال أنه لم يعد لدى أوكرانيا سوى 30 مليون نسمة مقابل 145 مليون نسمة في روسيا.
والخطأ الكبير الذي ارتكبه الأوروبيون هو أنهم لم يعبّروا أبداً عن مواقفهم الخاصة، وظلوا يرددون دائماً: «على أوكرانيا أن تقرر»، في حين أنها لا تملك الوسائل اللازمة التي تخول لها فعل ذلك. ولهذا، فإن الواقعية السياسية -- التي تُنتقد من قبل أولئك الذين يهتفون «المجد لأوكرانيا» في النقاشات الغربية -- ربما كانت ستجنِّب أوكرانيا الكثير من المشاكل. ومما لا شك فيه أيضاً أن على الأوروبيين أن يسلكوا بدورهم مسلك التفاوض، وإلا فإن التاريخ سيُكتب من دونهم. والحال أنهم يرفضون من حيث المبدأ التفاوض مع فلاديمير بوتين، وهو ما يؤدي إلى احتكار واشنطن للمفاوضات. وفضلاً عن ذلك، فإن الولايات المتحدة ستهدد على الأرجح بوقف مساعدتها لأوكرانيا إذا لم تقبل الخطة وستتهمها بالرغبة في مواصلة الحرب. والحال أنه إذا توقفت الولايات المتحدة عن تزويد أوكرانيا بالمعلومات الاستخباراتية، فإن أوكرانيا لن تعود قادرة على مقاومة القوات الروسية.
ومهما احتجّت الدول الأوروبية، فإن ذلك لن يغيّر الواقع. غير أنه من المهم، بالمقابل، ضمان عدم الاعتراف قانونياً بأي ضم للأراضي. 
وبسبب إصرارها على التدثر بدثار الأخلاق، سمحت الدول الأوروبية بحدوث الأسوأ وباتت الآن في موقف سيئ للغاية إزاء دونالد ترامب وفلاديمير بوتين. فالرئيس الروسي يخيف الأوروبيين الذين يلجأون بدورهم إلى دونالد ترامب دون أن يدركوا تماماً أن هذا الأخير لن يحميهم. في الواقع، لم يعد هناك تحالف أطلسي كما نعرفه، بل إن مفهوم العالم الغربي نفسه، كما عهدناه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بات موضع تساؤل عميق. ولهذا، يتعين على أوروبا أن تكفّ عن إنكارها للواقع وأن ترى العالم كما هو وليس كما تريده أن يكون.
*مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية- باريس



إقرأ المزيد