«الإخوان» ومناخ التوترات الإقليمية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

كان تنظيم «الإخوان» الإرهابي أحد أكبر الرابحين من مناخ الفوضى والاضطرابات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط في إطار ما يسمى إعلامياً «الربيع العربي»، حيث استغل التنظيم هذه الفوضى العارمة في إسقاط العديد من الدول ونشر الفكر الحركي ودعم ثقافة العنف والإرهاب عبر فكر ميلشياوي عابر للجغرافيا، وأفرع تنظيمية ولدت جميعها من رحم التنظيم الأم، الذي استطاع في لحظة تاريخية فارقة القفز إلى السلطة في بعض الدول العربية.

ويخطئ من يظن أن تنظيم «الإخوان» قد انهار أو دخل مرحلة من التراجع تحت وطأة الضغوط التي تعرض لها في السنوات الأخيرة، رغم كثافتها، بل يواصل سعيه الممنهج لتقويض استقرار الدول، سواء بشكل مباشر عبر وكلاء وموالين مؤدلجين من القادة كما في دول مثل السودان واليمن، أو اعتماداً على محاولات نشر الفوضى وإعادة إنتاج الأزمات في دول أخرى، من خلال نشر الشائعات وتشويه الحقائق والتضليل الإعلامي والتشكيك في قدرة الحكومات على الاضطلاع بدورها.
وتدرك دولة الإمارات جيداً، من واقع الخبرة التاريخية لتجربة «الإخوان» بالمنطقة، مدى قدرتهم على احتواء الملاحقات والضغوط والالتفاف على محاولات استئصال أفكارهم، لذا تواصل جهودها لتجفيف منابع الفكر «الإخواني» وحماية مواطنيها من هذه الآفات الفكرية اللعينة التي تنتهى بمعتنقيها إلى حمل السلاح والتطرف والإرهاب، لذا فإن قرارالإمارات استبعاد الجامعات البريطانية من قائمة المؤسسات الأكاديمية المعتمدة للمنح الدراسية الحكومية، وفق ما نشرته بعض الصحف البريطانية، ليؤكد حجم المخاوف والقلق الذي تستشعره من جراء انتشار التطرف داخل الجامعات في المملكة المتحدة، وهو أمر يدركه الجانب البريطاني جيداً، ولكن هناك توازنات سياسية وحزبية معقدة في الداخل البريطاني لا ترغب الإمارات في أن يدفع أبناؤها الطلاب فاتورتها، ولعل تصريح جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، بوجود ما وصفه بـ «التلقين الإسلامي» في بعض المناطق، ووصوله إلى مستويات خطرة، يؤكد صحة مخاوف الإمارات في هذا الشأن.
الحقيقة أن الإدارة الأميركية الحالية تتفهم هذه المخاوف جيداً، وتدرك عواقبها، وقد تجسد ذلك في توقيع الرئيس ترامب أمراً تنفيذياً لمباشرة إجراءات تصنيف بعض من فروع «الإخوان» «منظمات إرهابية» أجنبية، وقبلها في مايو الماضي، كان الرئيس الفرنسي ماكرون قد أمر الحكومة بوضع مقترحات للتعامل مع «تأثير الإخوان» وانتشار«الإسلام السياسي» بالبلاد، إثر تقارير تحذّر من «تهديدها للتماسك الوطني».
الحقيقة أن الخطوة والتحرك الأميركي للجمِّ أنشطة «الإخوان» في الولايات المتحدة وبالتبعية على الصعيد الدولي، مهمان للغاية، ولاسيما أن هذا التوجه الأميركي الصارم رغم أنه لم يشمل الجماعة الأم بعد سوف يدفع الدول التي تؤوي عناصر هذا التنظيم وقادته وتوفر ملاذاً آمناً لهم إلى التخلي عن حمايتهم، أو على الأقل إعادة النظر في تأثير ذلك على مصالحها الاستراتيجية.
ورغم الضغوط والتضييق الإقليمي والدولي على التنظيم «الإخواني» العابر للجغرافيا والمناوئ للفكر الوسطي لمؤسسات دينية إسلامية راسخة في العالمين العربي والإسلامي، نلحظ أن الظروف والبيئة الجيواستراتيجية الشرق أوسطية تسهم للأسف في منح «الإخوان» طوقَ نجاة جديداً، فما يحدث من حولنا من أزمات داخلية وصراعات وتوترات جيوسياسية يمثل هدايا مجانية لعناصر التطرف والإرهاب، وهذا ما نراه في السودان واليمن، حيث يتم استدعاء دور «الإخوان» من جديد من قِبَل قوى اكتوت بنارهم في السابق وصنفتهم تنظيماً إرهابياً، فيما تتشكل ملامح توترات واضطرابات في دول أخرى بانتظار انقضاض «الإخوان» على الفرصة لمقايضة الجميع وابتزازهم في حال نجاحها مجدداً في اختطاف سلطة القرار وسيادة الدول!.. لقد بات من الواضح أن البعض لم يتعلم من دروس التاريخ، ويحاول الرهان مرة أخرى على جماعة إرهابية دمرت من احتضنها قبل غيرهم.
*الرئيس التنفيذي- مركز تريندز للبحوث والاستشارات. 



إقرأ المزيد