جريدة الإتحاد - 1/11/2026 11:16:44 PM - GMT (+4 )
في القاهرة أُعلن الأسبوع الماضي عن وفاة الفيلسوف المصري مراد وهبة عن عمر بلغ مئة عام. وكان وهبة من أشد المنافحين عن حركية التنوير العربي في جذورها القديمة والحديثة. كان الفيلسوف الراحل يدعو بوضوح إلى إحياء الرشدية ويرى فيها الأفقَ المرجعي الذي لا غنى عنه من أجل بناء ديناميكية تنويرية عربية على أساس قراءة عقلانية وإنسانية للتراث الوسيط. وبالنسبة لوهبة، تُشكّل الرشدية التعبيرَ الأقصى عن العقلانية العربية من حيث التوجّه البرهاني والدفاع عن حرية التفكير واستقلالية النظر عن الدين، لكنّ مشروع ابن رشد أُجهض جراء تحالف الفقهاء والسُّلطة، في حين انتقل إلى الغرب اللاتيني وأثمر ثورةَ التنوير والحداثة.
لا تختلف قراءة وهبة عن الخط الذي دشّنه المفكر اللبناني فرح أنطون في كتابه الشهير «ابن رشد وفلسفته» (صدر سنة 1903) الذي اندرج في سياق جدل حاد مع الإمام محمد عبده. وبالنسبة لأنطون، بلور ابن رشد كلَّ الآليات المعرفية والمنهجية التي تدفع للتنوير والعلمنة، مِن التبشير بالتأويل العقلاني للدين وفصل الفلسفة عن الشريعة وفصل الدين عن الدولة.
وعلى الرغم من التقليد الجامعي النقدي الذي أسّسه محمود قاسم في الدراسات الرشدية العربية، إلا أن ابن رشد ظل بالنسبة للتيار التنويري العربي مرجعاً تراثياً أساسياً يمكن البناء على أفكاره التجديدية من أجل الدفاع عن قيم العقلانية والتفكير الحُر.
وقد بلغ هذا التوجه مداه في مشروع المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري الذي رأى أن ابن رشد هو اللحظة القصوى في العقلانية البرهانية العربية، واعتبر أنه وضع مقاربةً أكسيومية تفصل بين الخطاب الديني والفلسفة وترفض القراءات الغنوصية والعرفانية للشرع.
وهكذا يمكن الحديث مع الجابري ومراد وهبة عن رشدية محدثة، لها أتباع كُثُر في الفكر العربي المعاصر.
ومع أن الرجل كان من دون شك أهم شارحي أرسطو في العصور الوسطى رغم أنه لم يكن يعرف اليونانية، إلا أننا ننسى أنه أيضاً كان قاضياً وعالماً دينياً مشتغلاً بالعلوم الشرعية (خصص زميلنا إبراهيم بورشاشن دراسةً وافيةً لعلاقة الفلسفة بالفقه في فكر ابن رشد). بل إن أشهر أعماله وهو كتابه المختصر «فصل المقال» كان في أصله فتوى حول سؤال طُرح عليه حول حكم النظر في الفلسفة، وقد أجاب من منظور تأصيلي شرعي بأن الفلسفة واجبة على من كان أهلاً لها وإنْ كانت محظورة على العامة، وهي بالنسبة له المعيار التأويلي الصحيح للعقيدة.
وفي السنوات الأخيرة، برزت قراءاتٌ جديدة لابن رشد في الكتابات الغربية، من منظور استكشافِ أثره في العصر اللاتيني الوسيط وامتداداته في الفلسفة الحديثة (لدى ديكارت وسبينوزا ولايبنتز). ومِن أهم مَن قدّم هذه القراءات الآن دي لابيرا وتلميذه جان بابتست برنيه.
ما تبينه هذه المقاربات هو أن تأثير ابن رشد في الفكر المسيحي الوسيط كان بالأساس سلبياً، أي أنه نُظر إليه منذ ترجمة أعماله المبكرة إلى اللاتينية بكونه خصماً خطيراً، بما جرّ عليه تحريم تداول كتبه من لدن أسقف باريس سنة 1270 في حين حمل عليه توماس الأكويني بشدة.
لم تكن أطروحة «ازدواجية الحقيقة» (ما بين الفلسفة والدين) هي ما أثار اهتمام مفكري العصر اللاتيني الوسيط، بل نظرية ابن رشد المثيرة حول وحدة العقل واستقلاليته عن الإنسان التي ظلت مدارَ جدل واسع امتد حتى ديكارت فيلسوف الذات المفكرة. ما بيّنه برنت هو أن ابن رشد بلور نمطاً مغايراً من الكوجيتو لتفسير قدرة الإنسان على الاستخدام الشخصي للعقل، فاعتبر أن ملكة التخيل هي الواسطة الضرورية بين النظر الشخصي والعقل الكوني، وهي فكرة ظلت غريبة في التفكير الفلسفي إلى حدود النقدية الكانطية.
ليس من همنا بسط القول في الفلسفة الأرسطية في مسارها العربي وتأثيرها الأوروبي، وإنما حسبنا الإشارة إلى أن مشروع ابن رشد لم يكن حداثياً ولا تنويرياً، بل يندرج في سياق التصور الفلسفي القديم الذي يحصر النظر العقلي في الخاصة، على عكس مثال «الاستخدام العمومي للعقل» الذي اعتبر كانط أنه ميزة حركية الأنوار. العقل لدى ابن رشد هو العقل الوجودي الكوني وليس العقل الذاتي المعيش، ومن هنا الاختلاف الجوهري مع العقلانية الحديثة المنغرسة في الممارسة الاجتماعية والمحددة بقيم الاستقلالية والتحرر.
وحاصل القول هو أن الرشدية المحدثة ليست المسلك العربي للتنوير الذي هو ديناميكية كونية إنسانية مفتوحة.
*أكاديمي موريتاني
إقرأ المزيد


