القوى الكبرى في الحوسبة السحابية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 تتجاوز التحولات التكنولوجية التأثير على القطاع العلمي والبحثي إلى الحياة العامة واقتصادات الدول، في سياق تنافس دولي على الابتكار، والحوسبة السحابية جانب رئيسي وعمود فقري في هذه التحولات، بعدما تزايد الطلب على الحوسبة بشكلها التقليدي والسحابي، لتخزين البيانات ومعالجتها، سواء على شبكة محلية، أو عن بعد على شبكة حواسيب مستضافة عبر «الإنترنت». وتحاول الدول بقدر إمكانياتها ومواردها الحفاظ على السيادة الرقمية، وتجنب التبعية التكنولوجية والتخلف التقني، لكن الواقع يكشف عن أن من يمتلك مراكز البيانات بقدرات حوسبية متطورة هو من يحدد خريطة التقنيات المتقدمة، كالذكاء الاصطناعي، ويطوع البيانات الضخمة لما يريده، وإن لم تكن من حقوقه، في ظل هذا المشهد، نجد نحو 32 دولة فقط «بحسب جامعة أكسفورد» تمتلك مراكز بيانات متطورة، وهي تتركز في الولايات المتحدة وأوروبا والصين.
 وتتميز الحوسبة التقليدية بالرقابة، لكن الحوسبة السحابية تفتح المجال لنطاقات أوسع وعمليات أضخم ووصول الأسرع إلى التطبيقات والخدمات عبر «الإنترنت»، ما يعني توفير الوقت والتعامل مع البيانات من أي مكان لإدارة الخدمات ودعمها، وقد غيّر الطلب المتزايد على الذكاء الاصطناعي قواعد الاستثمار في خدمات الحوسبة السحابية، إذ يدعم نمو القطاع الابتكار، ويوفر بنية تحتية للشركات الكبيرة والصغيرة بتكلفة لا تُقارن مع إنشاء مراكز بيانات، فاستئجار الحوسبة السحابية هو الخيار المتاح والقابل للتوسع عند ارتفاع الطلب.
 وتهيمن القوى الكبرى على سوق الحوسبة السحابية العالمية، متمثلة في شركات عدة، وفي الصدارة «أمازون»، بحصة نحو 30% «شركة ستاتيستا»، ومن ورائها «مايكروسوفت» بحصة سوقية 20%، أما «جوجل» فتقف عند نقطة 13% من الحصة العالمية، وبرغم ذلك تفوق كل الشركات الصينية التي تتصدرها «علي بابا» بنحو 4%، في حين تتبعها «أوراكل» الأميركية بفارق نقطة، و«تينسنت كلاود» الصينية بنحو 2% من السوق العالمي.
 إن الفجوة في الحوسبة السحابية بين الدول المتقدمة والنامية والصاعدة كبيرة، مع هيمنة قلة من الشركات والدول على القدرات الحوسبية، وصدى ذلك واضح في البحث العلمي والاقتصاد والابتكار. وسبب من أسباب تركز مراكز البيانات والقدرات الحوسبية في دول بعينها هو الرقائق، التي تهيمن على الأعلى تطوراً فيها شركة «إنفيديا» الأميركية، إضافة إلى التكلفة الضخمة، والحاجة إلى بنية تحتية متطورة، وكميات كبيرة من الطاقة لتشغيل مراكز البيانات.
ويتركز سوق الحوسبة السحابية في أميركا الشمالية وأوروبا والصين من حيث عدد الشركات والإنفاق، وقد قُدّرت قيمة سوق الحوسبة السحابية العالمية بأكثر من 900 مليار دولار في عام 2025 «بحسب شركة أبحاث بريسيدنس»، وفي السباق على العالم الرقمي، تتزايد العوامل الدافعة لنمو الحوسبة السحابية من التحول الرقمي ودعم الأعمال التجارية الرقمية إلى الذكاء الاصطناعي.
وفي عالمنا اليوم، لم يعد استهلاك التكنولوجيا وحدها نافعاً وآمناً، فإلى جانب الاستهلاك تحتاج الدول إلى تطوير بنيتها التحتية التكنولوجية ومحاولة سد الفجوة التقنية التي تتسع باستمرار، لأن من يتخلف عن ركب الخدمات السحابية سيتخلف في التحول الرقمي والتطور التكنولوجي بما يؤثر على المنظومة الاقتصادية والأمنية في بلده، لكن من يمتلك زمام التكنولوجيا سيصبح صانعاً للابتكار. لقد جلبتْ الحوسبة السحابية الذهب لعمالقة التقنية، مع تنامي الاقتصاد الرقمي وتزايد الطلب على الخدمات الحوسبية، وبالرغم من أنها تسببت في ضغوط بيئية وطاقية، فهي لا تزال تنمو، وستبقى كذلك طالما ظلت الهيمنة وتخلف الباقي في هذا القطاع مع الاحتياج لهذه القدرات، وبالإمكان تحالف دول أو شركات في بقاع جغرافية متصلة أو حتى منفصلة لإنشاء مراكز بيانات تضمن عدم التبعية والمنافسة، وتمنح الفرصة للدول النامية والصاعدة لتطوير البنية التحتية والتكنولوجيا.


*باحث رئيسي/ مدير إدارة الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا- مركز تريندز للبحوث والاستشارات



إقرأ المزيد