التضخم والآثار السلبية للرسوم الجمركية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في مستهلِّ العام الماضي، فرض الرئيس دونالد ترامب أعلى معدلات للرسوم الجمركية منذ أكثر من قرن، قائلاً إنها ستعزّز إيرادات الحكومة وقدرتها التفاوضية، دون أي تأثير على التضخم، أو أي أضرار جانبية أخرى. وبعد سلسلة متسارعة من التغييرات، نُفّذ الكثير منها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الرسوم، بحسب المقياس المستخدم، من بين أعلى المعدلات منذ ثمانية عقود. ولدينا الآن البيانات الكافية لدحض فكرة أن هذه المناورة السياسية ستكون بلا عواقب سلبية.ورغم أنها لم تتسبب في ركود اقتصادي أو ارتفاع حاد في التضخم، كما توقع بعض المتشائمين، فإنها ألحقت ضرراً بالغاً بالشركات الصغيرة وبالمستهلكين الذين يعيشون على دخلهم الشهري. ويتواصل تأثيرها على تكاليف الاقتراض والدخول الحقيقية، فضلاً عن مكانة أميركا لدى حلفائها وشركائها التجاريين حول العالم.
ويبدو أن تأثيرها على أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة قد بلغ ذروته، حيث يشهد التضخم الأساسي للسلع، القطاع الأكثر تأثراً بالتعريفات الجمركية في مؤشر أسعار المستهلك، انخفاضاً ملحوظاً على أساس سنوي خلال ثلاثة أشهر.
وبشكل عام، بدأ معدل التضخم الأساسي للسلع في الارتفاع مع تولي ترامب منصبَه، وبلغ ذروتَه بعد عدة أشهُر من فرض تعريفات «يوم التحرير» في 2 أبريل، ليصل إلى ذروته في سبتمبر عند نحو 1.5% على أساس سنوي.
ولتوضيح ذلك، تُشكل السلع الأساسية حوالي خُمس مؤشر أسعار المستهلك، وعادةً ما تتحرك أسعارُها على نطاق أفقي أو تشهد انكماشاً طفيفاً. وفي ذروة التضخم الناتج عن التعريفات الجمركية، ساهمت هذه السلع بـ 29 نقطة أساس في التضخم المُعلن عنه لمؤشر أسعار المستهلك. ومن جانبه، يُقدر رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك جون ويليامز أن تأثير التعريفات كان أكبر قليلاً، مضيفاً قرابة نصف نقطة مئوية إلى التضخم المُعلن. أي أنه من المُرجح أن يكون معدل التضخم في ديسمبر، والبالغ فعلياً 2.7%، في حدود 2.2% إلى 2.4% لولا الرسوم الجمركية.
وبالنسبة للأميركيين الذين ما زالوا يكافحون للتعافي من ارتفاع تكاليف المعيشة بين عامي 2021 و2023، فقد أدى هذا التضخم الإضافي، الذي بلغ نحو نصف نقطة مئوية، إلى تأخير تعافيهم. إذ ارتفع متوسط الأجر في الساعة، بعد تعديله وفقاً للتضخم، بنسبة 1.1% عام 2025، وهي نسبة ليست سيئة، لكنها تُعادل معدل النمو في السنة الأخيرة من رئاسة جو بايدن.
وعلى مستوى السلع، أثّرت الزيادة الإضافية للتضخم على المنتجات الأساسية التي تستحوذ على حصة كبيرة من إنفاق الأسر ذات الدخل المنخفض، مثل الارتفاعات في أسعار ملابس الأطفال، والأدوات والمعدات الخارجية، والأثاث ومستلزمات النوم، وقطع غيار السيارات.
كما كانت الرسوم الجمركية عاملاً رئيسياً في نهج مجلس الاحتياطي الفيدرالي الحذر تجاه خفض أسعار الفائدة. ورغم دعوة العديد من صناع السياسات إلى تجاهل الآثار قصيرة الأجل للرسوم الجمركية، إلا أن بعض أعضاء لجنة تحديد أسعار الفائدة في الاحتياطي الفيدرالي أعربوا عن قلقهم المفهوم من أن تؤدي تلك الرسوم إلى زعزعة توقعات التضخم لدى الجمهور، نظراً لتجاربهم مع ارتفاع الأسعار. وقبل فوز ترامب في الانتخابات، توقّع الاقتصاديون أن يتراوح سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية بين 3% و3.25% بحلول هذا الوقت. لكن في الواقع، هو أعلى بنصف نقطة مئوية.وبالتالي، يُرجح أن تكون الرسوم الجمركية قد ساهمت في ارتفاع تكاليف الاقتراض لمشتري المنازل والشركات، وكذلك بالنسبة للحكومة الأميركية نفسها، خلال عام 2025. وحتى الآن، يتوقع الاقتصاديون أن تظل أسعار الفائدة العام الحالي أعلى بقليل مما كانت ستبلغه في ظل سيناريو «عدم وجود رسوم جمركية». وبالنسبة للشركات، فقد تباينت النتائج بشكل كبير حسب الحجم، إذ صمدت الشركات الكبرى المدرجة في مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بشكل أفضل مما كان متوقعاً، وذلك بفضل نفوذها لدى جماعات الضغط في واشنطن وقدرتها التفاوضية مع الموردين. وفي المقابل، تحمّلت الشركات الصغيرةُ العبءَ الأكبر من التحول في السياسات وعدم اليقين بشأن مدة استمرارها. ووفقاً لتقرير وطني للتوظيف، فقد شهدت رواتب القطاع الخاص استقراراً أو انخفاضاً خلال العام الماضي للشركات التي يقل عدد موظفيها عن 50 موظفاً. وبينما عاد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» إلى مستويات قياسية، كافحت شركات السلع الاستهلاكية والملابس والأثاث لاستعادة توازنها.
وقد ركّز العديدُ من مؤيدي الإدارة على حقيقة أن الولايات المتحدة لم تنزلق إلى ركود اقتصادي، ولم تشهد ارتفاعاً حاداً في معدل التضخم الرئيسي. إلا أن ذلك يعود في الغالب إلى الاتجاهات الأساسية التي كانت سائدةً قبل إدارة ترامب، فقد كان الاقتصاد الأميركي يستفيد من طفرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، ويجني ثمار سياسة الاحتياطي الفيدرالي النقدية المتأنية منذ عام 2022، والتي أدت إلى انخفاض التضخم.
وحتى بعد فرض ترامب تعريفات «يوم التحرير»، لم يتوقع سوى قلة من الاقتصاديين حدوث ركود اقتصادي ضمن توقعاتهم الأساسية، ولم يتوقع أي منهم تقريباً ارتفاعاً في التضخم يتجاوز 4%. وفي الواقع، يعود الفضل جزئياً إلى تخفيف ترامب لبعض سياساته الأصلية في عدم تفاقم الوضع بالنسبة لأسعار المستهلكين.وخلاصة القول هي أن الرسوم الجمركية أرهقت ميزانيات الأسر، ورفعت تكلفة الاقتراض، وأضعفت ديناميكية الأعمال الأميركية. ومن المطمئن أن الأضرار لم تكن أسوأ، لكن مجرد أننا تفادينا كارثة من صنع أيدينا لا يُعد إنجازاً يُحتفى به.

 


*كاتب متخصص في الأسواق والاقتصاد الأميركي
 
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»



إقرأ المزيد