جريدة الإتحاد - 1/22/2026 11:57:17 PM - GMT (+4 )
لا أحد يشكّك جديّاً في الأهمية الاستراتيجية لجرينلاند. فقد مثّلت أكبر جزيرة في العالم رصيداً جيوسياسياً بالغ الأهمية لما يقرب من قرن. وخلال الحرب العالمية الثانية، مثّلت جرينلاند جسراً لا غنى عنه بين أميركا الشمالية وأوروبا. تمركز فيها آلاف الجنود الأميركيين، ومرّت عبرها نحو 10000 طائرة متجهة إلى الجبهة الأوروبية. وساعدت السيطرةُ على الجزيرة الولايات المتحدة على تأمين شمال المحيط الأطلسي في لحظة كان فيها مصير الحرب مع ألمانيا معلقاً.
وتعزّز هذه الوظيفة الاستراتيجية أكثر مع اندلاع الحرب الباردة. ففي عام 1951 وقّعت الولايات المتحدة والدنمارك «اتفاقية الدفاع عن جرينلاند»، التي منحت واشنطن حقوقاً واسعة للعمل على الجزيرة. وفي إطار هذه الاتفاقية، أنشأت الولايات المتحدة منشآت عسكرية كبرى، من بينها قاعدة «ثول» الجوية القادرة على دعم قاذفات B-52 واستضافة أنظمة رادار مصممة لرصد عمليات إطلاق الصواريخ السوفييتية الموجهة نحو أميركا الشمالية. والأهم من ذلك أن الاتفاقية أتاحت للولايات المتحدة توسيعَ وجودها في جرينلاند، كلما اقتضت الظروف. ورغم تعديل الاتفاقية بمرور الوقت، فإن بنودها الأساسية لا تزال قائمة، وهي تمنح واشنطن هامشاً واسعاً لحماية مصالحها الأمنية من دون المساس بالسيادة الدنماركية أو الجرينلاندية.
وفي ضوء هذا التعاون، يبرز السؤال الجوهري: لماذا أصبح دونالد ترامب مهووساً بامتلاك جرينلاند أو شرائها؟ يرى البعض أن هذا الاندفاع نابع من خيال تاريخي للتوسع الإقليمي، يستحضر صفقات مثل شراء لويزيانا عام 1803 والاستحواذ على ألاسكا عام 1867. ووفق هذا التصور، فإن شراء جرينلاند سيكون عملاً رمزياً يرسّخ مكانةَ ترامب ضمن سلسلة الرؤساء الأميركيين الذين وسّعوا الرقعة الجغرافية للبلاد.
ويقدّم آخرون تفسيراً أكثر تقليدية، فقد يكون ترامب يخشى بالفعل أن تتمكن روسيا أو الصين يوماً ما من ترسيخ موطئ قدم استراتيجي لأحدهما على الجزيرة، بما يهدد أنظمةَ الإنذار المبكر الأميركية والممرات البحرية في القطب الشمالي. ومن هذا المنظور، يبدو الامتلاكُ ضمانةً في عالم يزداد اضطراباً. كما يلوح عامل ثالث لا يقل أهميةً: الموارد الطبيعية الهائلة لجرينلاند التي لا تزال إلى حد كبير غير مستغلة. فمع ذوبان الغطاء الجليدي، يصبح الوصول إلى المعادن النادرة والهيدروكربونات وطرق الشحن الجديدة أكثر قابليةً للتحقق، ما يرفع القيمةَ الاقتصادية للجزيرة إلى جانب أهميتها العسكرية.وفي الظروف العادية، كانت هذه المخاوف ستقود إلى توافق واسع بين الحلفاء. فمن المرجح أن ترحّب الدنمارك ودول أوروبية أخرى بتوسيع الوجود الأميركي في جرينلاند إذا كان من شأنه تعزيز دفاعات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في الشمال. غير أن ما أثار القلقَ داخل الحلف هو الإيحاء، الصريح أو الضمني، بأن واشنطن قد تحاول شراءَ جرينلاند بالكامل أو (وهذا هو الأسوأ) الاستيلاء عليها بالقوة.
وإذا ما تجاوزت الولايات المتحدة رغبات الدنمارك وحلفائها الآخرين ولجأت إلى الإكراه للسيطرة على جرينلاند، فإن التحالف سيتصدع، وستكون العواقب وخيمة. إذ سيتعرض حلف الناتو، وهو أنجح تحالف عسكري في التاريخ، للضعف في وقت تشتد فيه الحاجة إلى الوحدة. وستكون روسيا والصين المستفيدتين الأكبر، إذ سيشجعهما انقسام الغرب. ومع ذلك، يبقى احتمال آخر قائماً: أن تسود الحكمة، بما يقود إلى إطار تفاوضي يوسّع الدور الأميركي في جرينلاند مع الاحترام الكامل للسيادة الدنماركية والجرينلاندية. مثل هذا الترتيب من شأنه أن يعزّز الناتو بدلاً من تمزيقه، ويبرهن على أن التحالفات، حتى في عصر التنافس بين القوى الكبرى، قادرة على التكيّف من دون أن تتفكك.
أي مسار سيتم اختياره لا يزال غير مؤكد. فالكثير يتوقف على مواقف دونالد ترامب المتغيرة واستعداده للتوصل إلى تسوية. وقد تقدم المناقشات الجارية هذا الأسبوع في دافوس مؤشراً مبكراً. فإذا غلبت البراجماتية، فقد يؤدي الصراع على جرينلاند إلى تعزيز أمن الغرب. أما إذا لم يحدث ذلك، فإن الأزمة التي ستنشأ قد تكون أشد اختبار يواجهه العالم الغربي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
*مدير البرامج الاستراتيجية بمركز «ناشونال انترست» - واشنطن
إقرأ المزيد


