حكومة وحدة عالمية.. «يوتوبيا»!
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

السياسة عوالم يلعب بها الكبار، ومن لا يتقن قواعد اللعب معهم، فالأسلم لغيرهم اللعب خارج ملعبهم، أو يبنون لهم ملعباً خاصاً ويتدربون فيه، ثم يشاركون الكبار وفقاً لقواعدهم بعد إتقانها، فهنا يضع الاحترام موازين القوة أمامه فإذا ضعُف عن إكمال المشوار مع الكبار تركوه.

فليس للشفقة مكان من الإعراب في دهاليز السياسة. لقد تعلمنا من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، بأن «البقاء لا للأصلح ولا للأقوى وإنما البقاء لمن يستطيع التأقلم مع المتغيرات». ها هي هيلاري كلينتون في بداية مذكراتها «خيارات صعبة» تؤكد على أن المواطَنة الأميركية لا ينالها إلا من يتقن قواعد اللعبة الديمقراطية في الولايات المتحدة، ومن لا يدرك هذه الحقيقة يغرق في متاهاتها.

وفي القرن الماضي ذاع صيت كتاب «لعبة الأمم» لمايلز كوبلاند الذي صدر في 1969، وخلاصته حول كيفية قيام الكبار بصناعة زعماء لا يسمح لهم بأن يكبروا، وعند أول خطوة للنمو أو القفز إلى مصاف الكبار ينتهي اللعب معهم. هذا الأمر لا يتعلق بالعالم الثالث فحسب، بل كل العوالم بشتى توجهاتها السياسية أو الفكرية، وفي مذكرات جاك شيراك الجزء الأول يتحدث عن قصة فرنسا في الجزائر، وكيف أن الوطنيين المخلصين المنادين بضرورة إنهاء الاحتلال، قد تمت تصفيتهم والتخلص منهم بشتى الطرق من قبل الحكومة الفرنسية ذاتها.

الفكرة في حد ذاتها ليست معاصرة، فإن بذورها النظرية غُرست منذ القرن الرابع عشر للميلاد، عند الحديث عن حكومة عالمية واحدة يتحكم بها دول تُعد على أصابع اليد الواحدة، وبقية الدول تبقى تروساً مغروسة في مفاصل حكومة العالم، تؤمر فتطيع ولو بصورة عصرية مهذبة. خلال القرون الخمسة الماضية، المحاولات جارية للوصول إلى هذا الهدف النهائي وإنْ لم تكتمل الصورة المثالية بعد. وقد تمثّل تلك المحاولات في الوصول إلى مرحلة حكومة عالمية واحدة، في القيام بتأسيس عصبة الأمم بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى من الدول المنتصرة وهي إنجلترا وفرنسا وإيطاليا واليابان.

وبعد الحرب العالمية الثانية اتسعت دائرة تنفيذ مشروع صيغة عملية لتلك الحكومة «اليوتوبية» في زمن لا تؤمن الأكثرية بها، إلى إطار آخر وأشمل سمي بالأمم المتحدة، حيث وصل اليوم عدد أعضائها إلى 193 دولة من حول العالم، ولم يتحقق هذا الهدف من خلالها رغم اتساع رقعة صلاحياتها التي تتخطى أحياناً سيادة الدول تحت البند السابع لإشعال الحروب العبثية برسم القانون الدولي. في هذا الوقت العصيب من وضع العالم الذي اشتبكت مصالحه بالأماكن المشتعلة، نرى أن مصير الجميع بيد أعضاء مجلس الأمن الدائمين وهم: أميركا وفرنسا والصين وروسيا وبريطانيا.

وقد بُحّت أصوات بعض الدول المطالبة بضرورة إصلاح الأمم المتحدة، لكي تتناسب مع التغيرات الجذرية التي اخترقت العالم منذ 1945 إلى يومنا هذا، أي بعد فترة طويلة تغيّرت فيها الظروف وتطوّرت خلالها علاقات الدول بعضها البعض. خمس دول تتحكم بمصير العالم، بأي منطق الديمقراطية المعكوسة أم المنقوصة أو المنكوسة؟! بعد الإصرار الحاد على عدم اللجوء لأي تغيير، خرج حلم الحكومة العالمية من أروقة الأمم المتحدة إلى الفضاء السيبراني، لتحدث نقلة ديمقراطية عن بُعد، عبر شبكات الإنترنت وكذلك الإنترنت الداخلية عبر المؤسسات البيروقراطية في كل مكان.

وصلنا الآن إلى حديث هامس حول محاولة جديدة لحكم العالم عبر تقنية الذكاء الاصطناعي، وشبكات الجيل الخامس، التي أشعلت حرباً تجارية شرسة بين أميركا والصين عبر «هواوي» التي مازال صداها مدوياً، والبعض يخشى مواجهة عسكرية بين أكبر اقتصادين في العالم، لتعود حدود الصراع بين الكبار بعيداً عن تدخل الذين يراقبون الوضع عن بعد.

*كاتب إماراتي
 



إقرأ المزيد