"بجّعْد" المغربية في كتاب جديد يتناول تراثهاالعمراني والمعماري العتيق
ايلاف -

إيلاف من الرباط: صدر، أخيرا، لعبد الغني خلدون، كتاب جديد، بعنوان "بجعد، التراث العمراني والمعماري للمدينة العتيقة"، جاء ثمرة سنوات من البحث والشغف المتفاني، مسلطا الضوء على التراث التاريخي، العمراني والمعماري لواحدة من أقدم المدن غير المعروفة بالمغرب، في ما يمثل دعوة لمن لا يعرف هذه المدينة الرائعة لاستكشافها، والعمل من أجل ترميمها وحمايتها.

فضائل خاصة
يكشف الكتاب عن الدور المهم الذي لعبته هذه المدينة في تنمية المغرب، على الصعيدين الروحي والمعماري.
وكتب خلدون في مقدمة الكتاب: "ماذا عساي أن أقول عن مدينة مسقط رأسي، المدينة التي ترعرعت فيها، والتي ولدت فيها قصة الحب الجميلة اتي تربطني بمدينتها القديمة. هذه القصة أود حكايتها ومشاركتها مع القارئ، آخذا بيده كي أكشف له عن سحر هذه المدينة العريقة وكأنه يعيش فيها. فقد سحرت بجمالها وضيائها، وأسرارها، وتراثها الكتاب، والرسامين، والمخرجين والعديد من الزوار".
وأشار خلدون إلى أن المدينة القديمة في بجعد تتميز بفضائل خاصة، ينبغي تثمينها، مشددا على أن طموحه هو "التعريف بالتراث العمراني والمعماري للمدينة القديمة كي يزيد لعامة الناس عشقهم لها وسعيهم لاكتشاف واستكشاف ترثها الأصيل".

تراث معماري
كتب الحبيب المالكي، الوزير والبرلماني السابق، في تمهيد الكتاب، أن المدينة القديمة لبجعد تشهد، بجدرانها المليئة بالتاريخ، وأزقتها المرصوفة وساحاتها المفعمة بالحياة، على غنى تراثها العمراني والمعماري وعلى عمق تاريخها. فكل حجر، وكل زقاق، وكل تفصيل معماري يروي قصة أو يذكر بملحمة فريدة تمتد من الماضي البعيد إلى يومنا هذا".
وأضاف المالكي أن خلدون يرسم لنا، من خلال هذا العمل، صورة لمدينة ذات تراث رائع يقاوم تقلبات الزمن، وهي صورة تدعو إلى التأمل في هذا الإرث الاستثنائي والانبهار بإبداع بنائيها وكل من عمل على الحفاظ عليها لقد خصص العديد من الإنتاجات الفكرية لتاريخ مدينة بجعد ودورها البارز سواء على الصعيد الصوفي أو الاقتصادي أو الاجتماعي.


غلاف كتاب "بجعد، التراث العمراني والمعماري للمدينة العتيقة"

مدينة مباركة
كتب خلدون أيضا في مقدمة الكتاب أن بجعد، مدينة مباركة نشأت من تاريخ متميز، فهي مدينة الزوايا بامتياز، حيث تمتلك تراثاً عمرانياً ومعمارياً يعكس هويتها الخاصة، فقد تكيفت على مر القرون مع بيئتها المحلية
والإقليمية.
وتأسست مدينة بجعد عام 1536 م بفضل جرأة مؤسسها بوعبيدالشرقي رغم هشاشة بيئتها الظاهرة؛ وقد عرفت مستقبلاً مشرقاً بفضل موقعها الجغرافي عند تقاطع العواصم التاريخية العريقة للمملكة (فاس، مكناس، الرباط ومراكش) والطابع الاستشرافي لمؤسسها، فاكتسبت شهرة ثقافية وروحية بفضل زواياهاالمتعددة؛ حيث بنيت المدينة حول الزاوية الشرقاوية ذائعة الصيت، التي استقبلت العديد من الزوار عبر تاريخها، من جميع أنحاء المغرب قبيل فترة الحماية. كما كان للمدينة تأثير مباشر على المنطقة بأكملها، حيث كانت هذه المدينة التاريخية جزءاً من المدن العتيقة التي اكتسبت شهرة دينية، وكانت الأكثر شهرة في البلاد حتى القرن التاسع عشر. وكانت تضطلع بدور المركز الديني، والثقافي، والاقتصادي الذي يشع في جميع أنحاء المنطقة.
وفي الوقت الحاضر، يشهد الجميع على ثراء المدينة وإمكاناتها من خلال تراثها التاريخي، والثقافي، والعمراني والمعماري المتنوع. وفي إطار إعادة تثمين المدينة، تحدث خلدون عن رغبة في تقديم جميع العلامات والمؤشرات المميزة لهذه المدينة، مشددا على أن معمار المدينة ومواقع العبادة الخاصة بها، هي في الوقت الحالي، مهملة ومتدهورة، وبحاجة إلى إجراءات حماية وترميم لضمان استمرار روحها وتاريخها.
وأوضح خلدون أن عمله بصفته مهندسا قد دفعه بشكل طبيعي للاهتمام بالعمارة المميزة في مدينته الأم ومؤازرتها، والمكونة من مساحات مغلقة، وأزقة جميلة، وممرات صغيرة، وساحات ومنازل متلاصقة تشكل مدينة ذات مظهر متاهي. وأضاف أن تعقيدات النسيج العمراني أثارته، بشكل دفعه إلى محاولة تقديم التناسقات الخفية، بهدف فهمها بشكل أفضل.

رحلة إلى قلب التراث
يمثل الكتاب رحلة إلى قلب التراث المغرب، ويقترح خلدون، من خلال صفحاته الغنية بالرسوم التوضيحية، رحلة حقيقية عبر الزمن، حيث يستكشف الأزقة المرصوفة للمدينة العتيقة والأروقة المهيبة وبوابات الأحياء التاريخية بالإضافة إلى المعالم الرمزية التي شكلت هوية المدينة.
وتتميز مدينة بجعد بتنظيمها العمراني الفريد وبأحيائها وأزقتها المتعرجة وساحاتها الصغيرة النابضة بالحياة، حيث كل حجر يحكي قصة وكل نصب تذكاري يشهد على ماض مجيد وثروة ثقافية لا مثيل لها.
وينقسم الكتاب إلى قسمين: جزء أول يتناول النسيج والتراث الحضري (الأحياء والملاح والمعالم اليهودية والساحات والأزقة والبوابات، وغيرها)، بينما يتناول الجزء الثاني التراث المعماري للمدينة العتيقة (الزوايا والأضرحة والمساجد والفنادق والأفران التقليدية والحمامات والأقواس وأبواب المنازل وصناعة الفخار والنجارة وغيرها). ومن خلال إبراز هذه العناصر، يسعى خلدون للتأكيد على الحفاظ على هذا الموروث الثمين في مواجهة مخاطر النسيان والتدهور.

صور ورسومات
إضافة إلى البحث العمراني والمعماري المتعمق الذي قام به المؤلف، يستفيد هذا العمل من الصور التي أنجزها جمال المرسلي الشرقاوي، والتي التقطت جمال وروح بجعد من زاوية فنية غير مسبوقة. كما أن هذه الصور جاءت مصحوبة برسومات لكورين لومور ورسومات حاسوبية دقيقة أعدها ميسان وهابي، تسمح للقارئ بتصور ليس فقط التفاصيل المعمارية للمدينة القديمة ولكن أيضا تصور عمليات البناء والتطور المكاني للمدينة على مر القرون.
ويجمع خلدون بين خبرته التقنية كمهندس وارتباطه العميق بمسقط رأسه لتقديم تحليل كامل ودقيق للتخطيط العمراني لمدينة بجعد؛ لذلك يبرز الكتاب التآزر بين الهندسة المعمارية والثقافة والبيئة الذي سمح للمدينة بالتطور بشكل متناسق لعدة قرون.

ويلات الزمن
من المسائل القوية التي جاء بها هذا الكتاب الدعوة إلى الحفاظ على التراث المعماري والعمراني لمدينة بجعد، المهدد بالإهمال وويلات الزمن؛ حيث يذكر خلدون بأهمية اتخاذ الإجراءات اللازمة لأجل الحفاظ على هذه الكنوز المعمارية.
والمدينة العتيقة لبجعد مصنفة ضمن التراث الوطني، باعتبارها تراثا ثقافيا وطنيا ومعلمة تاريخية. ويرى خلدون أنه ينبغي أن تسعى الآن إلى "الحصول على مكانة أكثر عالمية لتصبح ضمن لائحة المدن ذات التراث الثقافي العالمي من قبل اليونسكو، نظراً لنسيجها القديم وتراثها الأثري الثمين. هذا التراث الذي لا يقدر بثمن والذي ورثناه أبا عن جد بوصفه نموذجا للفن الإبداعي الذي قام بدور حضاري دائم يجب علينا الحفاظ عليه وصيانته".

تفاصيل معمارية
يولي الكتاب أهمية كبرى للتفاصيل المعمارية والعناصر العمرانية التي غالبا ما يتجاهلها المارة وحتى سكان المدينة، وتشمل الأبواب الاثرية، والأرصفة الحجرية، وأروقة الأحياء التجارية،والنوافذ الخارجية وزخارف المنازل التقليدية. وهي عناصر يصفها خلدون بدقة مع التركيز على أهميتها التاريخية والجمالية.
وفضلا عن تقديم بجعد كمدينة لا تزال روحها حية رغم التغييرات الناتجة عن الزمن والتهديدات التي تواجه مبانيها من خلال هذا الكتاب، يقدم المؤلف صورة صادقة للمدينة، مشيدا بماضيها الرائع وإمكانيتها المستقبلية.

خلدون والشرقاوي
وعبد الغني خلدون مهندس من خريجي المدرسة المحمدية بالرباط وحاصل على شهادة التدبير للتنمية في واشنطن العاصمة، مدير جهوي سابق للتجهيز وقنصل فخري للدنمارك وشغوف بالهندسة المعمارية والتعمير سيما التي تتعلق بمسقط رأسه بجعد.


عبد الغني خلدون

أما جمال المرسلي الشرقاوي، فهو فنان ومصور، ورئيس الجمعية أفرو- مغاربية لفن التصوير الفوتوغرافي، وعضو في الجامعة المغربية لفن التصوير الفوتوغرافي. بينما قام بالترجمة إلى العربية من الفرنسية الناقد والمترجم محمد آيت لعميم.
 
 
عبد الغني خلدون
*المدينة العتيقة لبجعد



إقرأ المزيد