جريدة الإتحاد - 1/24/2026 11:48:23 PM - GMT (+4 )
يشهد المؤتمر السنوي للنخبة، كما هو حال غيره من الأمور، بعض التغيرات.
يُشاع أن الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، والذي يُمثل تجسيداً للمؤسسة العالمية، قد انتهى. لكن التقارير التي تتحدث عن زواله مُبالغ فيها إلى حد كبير، أو على الأقل سابقة لأوانها. وكما هو الحال مع بقية النظام الدولي، يدخل دافوس مرحلة انتقالية ستُحدد ما إذا كان بإمكانه التكيف والحفاظ على أهميته.
وسيكون الاجتماع السنوي العام الحالي، الذي بدأ يوم الاثنين، بمثابة مؤشر على مدى ما تعلمه كل من دافوس والنظام العالمي للعمل مع الولايات المتحدة التي غيرت جذرياً نظرتها إلى معنى التعاون. وشهد منتدى دافوس تطوراً ملحوظاً منذ تأسيسه كمنتدى الإدارة الأوروبية، الذي كان ملتقى هادئاً نسبياً يركز على مشروع التكامل الأوروبي. ويُعد تحوله الحالي، الذي يقوده ترامب إلى حد كبير، أسرع وأكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فقد ولى زمن التركيز الذي دام سنوات على أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، وتنفيذ اتفاقية باريس، وكيفية اعتماد الحكومات على المنظمات المحلية لتنفيذ برامجها التنموية. ويرجح أيضاً أن تتراجع أهمية رأسمالية أصحاب المصلحة والأهداف البيئية والاجتماعية والحوكمة. ولقد ولى عهد دافوس القديم، ولا يزال دافوس الجديد قيد التكوين، ويسعى ترامب إلى تشكيل مستقبله.
وقاد الرئيس ترامب أكبر وفد أميركي من وزراء الحكومة وكبار المستشارين لحضور الاجتماع السنوي العام الحالي. وقد تغيب رؤساء أميركيون آخرون عن دافوس، جزئياً على الأقل، لتجنب الظهور بمظهر الاختلاط بالنخبة العالمية، بدلاً من التركيز على قضاياهم الداخلية. هذه هي الزيارة الثالثة لترامب إلى دافوس، وهو ثاني رئيس أميركي في منصبه يزور سويسرا.
وكان أولهم الرئيس بيل كلينتون عام 2000. وبينما حضر كلينتون في ذروة الحماس للعولمة، سيحضر ترامب في وقت يُمكن القول إنه وصل فيه الحماس إلى أدنى مستوياته، وهو مستوى ساهم في حدوثه واحتفل به. وقد أشار ترامب إلى أنه سيستغل الفرصة للحديث عن الإسكان وتكاليف المعيشة. وربما يستخدم المنتدى لتوجيه مطالب جديدة للدول بأن تتعاون مع الولايات المتحدة في قضايا التجارة والهجرة.
إلا أن هدف الرئيس العام الحالي يتجاوز السياسات، ويتعلق بتحديد التوجه العام. فهو لا يسافر إلى سويسرا في جولة استماع فحسب، بل يسافر متوقعاً أن يستمع إليه الجميع، وأن يصطفوا خلفه. لذا، سيكون اجتماع العام الحالي اختباراً لقدرة بقية العالم على التكيف مع عولمة بطابع ترامبي. فعلى مدى العقود الخمسة الماضية، كان المبدأ الأساسي في دافوس أن التعاون ذي المنفعة المتبادلة بين الدول وعبر القطاعات، يعتبر أمراً بالغ الأهمية لمعالجة التحديات العالمية مثل الجوائح وتغير المناخ. وبينما لا يزال التعاون حاضراً بقوة على جدول أعمال دافوس، فقد اكتسب نبرة مختلفة. فبدل السعي إلى التعاون مع بقية العالم، سيطالب ترامب بهذا التعاون. ويُقام دافوس ضمن السياق الأوسع للنظام الدولي، ولكنه لا يُحدده.
وهذا ما يجعل التكيف ضرورة وجودية للمنتدى. بإمكان دافوس أن يلعب دوراً مهماً في استكشاف كيفية تطور نظام التجارة القائم على القواعد في عالمٍ تعمل فيه أكبر قوتين اقتصاديتين، الولايات المتحدة والصين، وفقًا لقواعدهما الخاصة. كما يُمكن أن يكون منتدىً لمناقشة تبني الذكاء الاصطناعي، وإصلاح المساعدات التنموية، وتوحيد المواقف تجاه الهجرة العالمية. سيستمر دافوس ويزدهر إذا أثبت قدرته على صياغة وقيادة أهم النقاشات. لماذا ينبغي أن نُقدر قيمة دافوس؟ بغض النظر عن جدول أعمالها الرسمي، تكمن أهمية دافوس في كونها مُلتقى يشعر فيه قادة العالم من القطاعات العامة والخاصة والمجتمع المدني بالحاجة إلى التواجد فيه، والالتقاء فيما بينهم، وبناء الشراكات، وإبرام الصفقات. وقد وقّعت اليونان وتركيا على إعلان دافوس عام 1988.
ولا ينبغي إغفال دور دافوس كمركز ثقل لصناع القرار، حتى مع تطوّر المحاور النظرية للاجتماع. والآن، مع توافد ترامب والعديد من كبار مساعديه إلى دافوس، أتوقع أن يزداد حضور قادة الحكومات وقطاع الأعمال والمجتمع المدني الآخرين، إذ سيحرص هؤلاء على عقد لقاءات سريعة مع الرئيس. تاريخياً، كان يُمكن استشعار روح دافوس بمجرد التجول في شارعها الرئيسي الجليدي.
وفي بعض السنوات، هيمنت عليه دولة أو أخرى تسعى لتسويق نفسها مثل روسيا أو الصين أو الهند. وقد تقاسمت الأضواء مع أبرز اهتمامات التكنولوجيا في الوقت الراهن، وهي العملات المشفرة، والميتافيرس، ومؤخراً، شركة أو مبادرة في مجال الذكاء الاصطناعي. وبرفع علم بلاده في دافوس، يُظهر ترامب أنه ليس انعزالياً، بل مستعد للانخراط مع العالم وإعادة تشكيل النظام الدولي تدريجياً، ودافوس ليست بمنأى عن نظره. وبغض النظر عما إذا كان سيحصل على جائزة نوبل للسلام أم لا، يمكن لترامب أن يدعي بحق أنه قد نال لقبًا يكاد يُضاهيها شهرة. إن ترامب هو رجل دافوس، لكن دافوس قد لا تعود كما كانت أبداً.
*رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأميركي. وشغل منصب الممثل التجاري للولايات المتحدة.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»
إقرأ المزيد


