جريدة الإتحاد - 1/25/2026 11:33:40 PM - GMT (+4 )
جاء قرار الإدارة الأميركية، الصادر في 13 يناير 2026، بتصنيف جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر والأردن ولبنان ضمن قوائم الإرهاب، كرسالة سياسية وأمنية واضحة، هدفُها إعادة ترتيب أولويات مكافحة التطرف العابر للحدود، وتجفيف موارده، وتفكيك شبكاته العاملة تحت واجهات مدنية أو اجتماعية، بغية إخفاء دعمها للكيانات الإرهابية والمتطرفة. وقد أعلنت دولةُ الإمارات ترحيبَها بالقرار الأميركي باعتباره جزءاً مِن مسار دولي أوسع لمواجهة التطرف والإرهاب، ولتقييد الموارد التي تمكّن الكيانات الإرهابية من مواصلة أعمالها التخريبية.
ويفتح القرارُ الأميركي ملفاً ظل ساخناً منذ عقود، كما يؤكد أن التعامل الصحيح مع «الإخوان» كتيار سياسي، أو كتنظيم عابرة للحدود يسعى لتنفيذ أجنداته السياسية عبر «العمل الدعوي»، والاختراق المجتمعي، والعمل الحزبي، وصولاً إلى علاقة ملتبسة بالعنف.. ينبغي أن يستند إلى الاتهامات الكثيرة الموثَّقة والمثبتة المتعلقة بدعمهم الإرهابَ والتطرفَ. وقد سبقت الإماراتُ المقاربةَ الأميركية الأخيرة بسنوات، ففي نوفمبر 2014 أقرّ مجلسُ الوزراء قائمةً بالكيانات الإرهابية شملت جماعةَ «الإخوان»، كما أصدرت الدولةُ القانونَ الاتحادي رقم 7 لسنة 2014 بشأن مكافحة الجرائم الإرهابية.
المقاربةُ الإماراتية المعنية بمكافحة الإرهاب تقوم على مزيج من التشريع، والشراكات الدولية، ومواجهة خطاب التطرف، وتجفيف منابع تمويله، واعتماد سردية دينية واجتماعية بديلة تقوم على الاعتدال والوسطية والتسامح. وكل ذلك إلى جانب منهج استباقي يهدف لمواجهة جذور التطرف وتحصين المجتمع من الأجندات الأيديولوجية لهذا التنظيم، واعتماد استراتيجية متعددة المسارات تجمع بين نشر قيم التسامح والاعتدال، ومواجهة قوى العنف والتطرف عامة. وفي ظل هذه المقاربة، يتم التصدي لخطر التنظيم الإخواني ولمحاولاته الرامية إلى تحويل الدين من ثقافة مجتمعية إلى أداة تعبئة وتجييش سياسي، وسعيه لبناء تنظيمات تتجاوز الدولةَ الوطنيةَ، ومحاولاته تغذيةَ الاستقطاب داخل المجتمعات بثقافة ظاهرها «مدني» وباطنها أصولي متشدد. وهو ما أشار إليه القرار الأميركي باعتبار بعض الفروع تعمل كواجهات مدنية بينما تدعم جماعات أخرى إرهابية.
إقليمياً، تزداد خطورة ملف «الإخوان» لتداخل مساراته تاريخياً مع لحظات هشاشة الدولة الوطنية في المنطقة، كما توضح التجارب العديدة، لا سيما بعد عام 2011، حيث تعاملت الجماعة مع التحولات السياسية بوصفها فرصةً للتمكين التنظيمي والسيطرة التدريجية على مفاصل الدول. وفي كل التجارب التي وصل فيها «الإخوان» إلى السُّلطة أو اقتربوا منها، برز نمطٌ متكررٌ: اختراق المؤسسات، إعادة هندسة الإدارات العامة بما يخدم الولاء التنظيمي، ومحاولة توظيف الشرعية الانتخابية لتكريس مشروع عابر للدولة الوطنية نفسها. هذا المنهج، القائم على تقديم «الجماعة» على الدولة، حوّل الصراعاتِ السياسية إلى أزمات سيادية، وأسهم في تفكيك التوازنات الداخلية، وفتح البابَ أمام الاستقطاب المجتمعي والصدام الأهلي. وهو ما يفسر إصرارَ دولة الإمارات على توصيف المواجهة مع «الإخوان» بوصفها معركةَ دفاع عن الدولة الوطنية، وعن حياد الدين، وعن المجال العام لحمايته من هيمنة تنظيمية مغلقة تتغذى على الأزمات ولا تسهم في حلّها.
ودولياً، يَبرز النهجُ الإماراتي في التعامل مع هذا الملف بوصفه مقاربةً شاملةً لا تختزل مخاطر التطرف في البُعد الأمني، بل تربطها أيضاً بالاقتصاد والثقافة والتعليم والهوية. فتعزيز الشراكات الدولية في مكافحة التطرف، وتطوير قدرات الدول، وتجفيف منابع التمويل.. تشكِّل كلُّها مفاصلَ رئيسيةً في تحقيق استراتيجية «الاستقرار المستدام» القائم على الوقاية، انطلاقاً مِن رؤية القيادة الحكيمة لدولة الإمارات، وهي الرؤية المتمثلة في تحصين مؤسسات الدولة من الاختراق التنظيمي، وصون الدين من التسييس، وبناء خطاب مجتمعي جامع، يعزِّز قِيم التسامح والتعايش الإنساني المشترك.
*كاتبة إماراتية
إقرأ المزيد


