الإمارات اليوم - 1/26/2026 4:09:08 AM - GMT (+4 )
عكست مشاركة الشاعر والروائي الأردني جلال برجس في مهرجان طيران الإمارات للآداب علامة تجمع بين الرؤية الإبداعية الثرية، وحرارة التجربة الإنسانية التي تختزلها، إذ لا يقتصر حضور الفائز بـ«البوكر العربية» في الحدث الذي يصل إلى ختام رحلته الـ18 غداً على مكانته الأدبية كاتباً متوجاً بسلسلة من أهم الجوائز، بل يتجاوزه ليكون جسراً ثقافياً ومرشداً أدبياً يسهم في صياغة ملامح جيل جديد من المبدعين والكُتاب، داخل مختبرات إماراتية عالمية المعايير.
ويفتح مبدع رواية «دفاتر الورّاق» نوافذ بوحه حول مسيرة صناعة الكاتب، وتحديات العبور من المحلية إلى العالمية، وكيف يمكن للرواية أن تظل أمينة على وجع الشارع من عمقه، بعيداً عن صخب الأضواء، وصولاً إلى مشروعه القادم الذي يطمح فيه لتفكيك الأقنعة البشرية، ليؤكد أن الأدب هو اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة حين تُكتب بمداد الصدق، باحثاً عن الإنسان المختبئ خلف ركام الأسلوب واللغة، مشدداً على أنه حصّن نفسه كي لا تقترب منه «لعنة الجوائز»، ومحاولات اصطيادها، والكتابة على مقاسها، كما يصنع البعض.
قيمة ونوعية
وفي مستهل حواره مع «الإمارات اليوم»، وصف جلال برجس «طيران الإمارات للآداب» بأنه «أحد المهرجانات الثقافية المهمة، وذلك نابع من تنوع فعالياته ونوعيتها والمهنية العالية في التعامل مع مختلف هذه الفعاليات، ومع الكتّاب المدعوين» مضيفاً أن المشاركة تمنحه «تلك الفرصة المهمة للقاء الكُتّاب الأجانب والمترجمين والوكلاء الأدبيين وكل المهتمين بالشأن الثقافي، لهذا أعتز بأن أكون أحد الكتّاب المشاركين بفعاليات هذا المهرجان المهم».
وحول تجربته كونه مرشداً أدبياً في «زمالة صديقي للكتّاب» الممتدة من 2023 إلى 2025، أبدى إعجابه بالمبادرة قائلاً إنها «على درجة عالية من الأهمية، إذ إن مخرجاتها على الصعيد الأدبي لابد من أن تؤتي ثمارها ذات يوم، حيث إنها أدت إلى اكتشاف أصوات مهمة على صعيد الرواية». وأكمل: «رافقت عدداً من الكاتبات والكُتّاب الذين رأت أعمالهم النور، وكانت أعمالاً روائية مبشّرة، أصحابها يمتلكون الموهبة وشغف الكتابة، وبالتالي، كان دخولهم عالم الأدب عن استحقاق.. فالكاتب الإماراتي الشاب يتكئ على موهبة فطرية في كتابة الرواية، ويمتلك عناصر عدة تسهم في حضوره العربي والعالمي».
الرواية الإماراتية
وفي مقارنة فنية بين «مختبر السرديات الأردني» و«زمالة مؤسسة الإمارات للآداب»، رأى الشاعر والروائي الأردني أنهما «يتقاطعان في الهدف نفسه، وهو الارتقاء بالسرد العربي عبر مرافقته ومواكبته ومقاربته. والفرق هنا في الميزانية التي يمكن أن تحقق الأهداف، عن طريق تطبيق الاستراتيجيات والرؤى».
وأكمل: «لا يزيد عدد الجلسات في الزمالة على ست، وكل جلسة 60 دقيقة. وفي هذه الحالة، يضطر المرشد إلى تكثيف المعلومات، لهذا، أقترح زيادة عدد الجلسات وإعادة إنتاج استراتيجية الزمالة بحيث تصبح مرافقة أدبية على مدار عام، جزء منها وجاهي تتخلله ورشات في كتابة الرواية، والجزء الآخر عن بُعد، هنا يمكن تحقيق الخطوة المهمة قبل الذهاب نحو الفضاء العالمي».
وبخصوص التحديات التي يواجهها المبدعون، رأى برجس أن الكتّاب الشباب «يطمحون إلى التحقق المحلي والعالمي، سواء في الأردن أو في الإمارات، يقرؤون جيداً ويتابعون الشأن الثقافي، أما الرواية الإماراتية، فتستلهم محليتها وأصالة ثقافتها، إذ باتت تتطرق إلى المكان الإماراتي، تاريخه وإيقاعه اليومي، وهذا أحد شروط العالمية»، لافتاً إلى أن التحديات تتعلق بالعثور على دور نشر تتميز بمهنيتها العالية، وبتطبيق قانون الملكية الفكرية، وبنشوء إعلام ثقافي عربي يتجاوز النمطية في التعامل مع الكتاب كمُنتَج فائض عن الحاجة.
منطقة مشتركة
وبالانتقال إلى ثنائية المحلية والعالمية، أكد جلال برجس: «الوجع الإنساني منطقة مشتركة بين الشعوب، وبالتالي، مقاربة هذا الوجع بصدق أدبي عبر المحلية بعناصرها المكانية والثقافية والتاريخية، تعد بوابة اليوم نحو العالمية. وحين انطلقت من عمّان بمكانها وزمانها وبما يعانيه أناسها، انطلقت من مساحة إنسانية هي في الأصل مشتركة، لهذا السبب تمت قراءة الرواية في مختلف أنحاء العالم العربي، وحتى حين ترجمت الرواية إلى اللغات الأخرى، وجدت أن القارئ الآخر أيضاً وجد نفسه فيها»، مشدداً على أن القدرة العالية على الغوص في دواخل الشخصيات، شرط أساسي لنجاح الرواية، فحينما يتمكن الكاتب من تفكيك شخصية روايته، يمكنه أن يفكك مكان الشخصية وثقافتها.
بيد الكاتب نفسه
وحول أثر الجوائز، شدد جلال برجس على أن «الكاتب نفسه هو من يصنع لعنة الجوائز، لا الجائزة.. منذ أن فزت بالبوكر العربية، هيأت نفسي لئلا تقترب مني تلك اللعنة، فتمترست بالمنطقة الأولى التي انطلقت منها وهي المنطقة الجوانية الوجدانية التي تشكلت جراء قراءاتي وتأملاتي القروية، وأحلامي اليقِظة».
وتابع: «حافظت على أن أكتب عن الشارع من عمقه، لا من خلال نافذة غرفة الكتابة، وتعلمت القفز عن كل ضغائن الأوساط الثقافية، وحميت نفسي من أي سلوك يمكن أن يجعل المسافة بيني وبين نصي أكثر من صفر»، مختتماً بالكشف عن تساؤل نصه القادم: «السؤال هو.. كيف سنبدو دون تلك الأقنعة التي نرتديها منذ وعينا الأول؟ وهذا ما ستُبنى عليه روايتي القادمة».
المشروع مستمر
عن روايته الأخيرة «معزوفة اليوم السابع»، أوضح الكاتب جلال برجس أنها استمرار لمشروعه الروائي الذي انهمك فيه بالاقتراب من الإنسانية، ومن قضايا الإنسان، في حين يكمن اختلافها عن «دفاتر الورّاق» في الأسلوب الذي يؤمن أنه أحد أهم عناصر الرواية، فالحكايات تروى في كل مكان، لكن من يفسح لها مكاناً في قلوب القراء هو أسلوب سردها، وفق تعبيره.
أما عن كتابه «حُمى القراءة... دوار الكتابة»، فعدّه: «نتاج الأسئلة الكثيرة التي توجه لي من قبل القراء، حيث وجدت أن الإجابة يجب أن تكون في كتاب يخاطبهم، بعيداً عن اللغة الأكاديمية، بل بالحديث الصريح عن تجربتي، وهنا أيقنت أن الرسالة وصلت».
جلال برجس:
• الكاتب الإماراتي الشاب يتكئ على موهبة فطرية في كتابة الرواية، ويمتلك عناصر عدة تسهم في حضوره العربي والعالمي.
• الوجع الإنساني منطقة مشتركة بين الشعوب.. وحميت نفسي من أي سلوك يمكن أن يجعل المسافة بيني وبين نصي أكثر من صفر.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news
إقرأ المزيد


