جريدة الإتحاد - 1/26/2026 11:02:27 PM - GMT (+4 )
يوم 23 يناير أطلقت وزارة الدفاع الأميركية استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026، بصياغة تُعيد ترتيب الأولويات عبر ثلاث رسائل مركزية: أولوية الدفاع عن الوطن الأميركي، وردع الصين في المحيطين الهندي والهادئ، ومشاركة الحلفاء والشركاء العبء والرؤية الأميركية، مع تركيز أقل على إدارة الأزمات عالمياً، ما لم تمس المصالح الأميركية بصورة مباشرة.
الاستراتيجية تصف بوضوح تركيز الجهد على مهام تراها واشنطن حاسمة، وذلك مثل حماية الحدود والمجال البحري والجوي، وتطوير مظلّة دفاع جوي/صاروخي تكون الأفضل في العالم، وتعزيز الردع النووي والدفاع السيبراني، ثم ردع الصين بالقوة لا بالمواجهة، وفي الوقت نفسه إعادة بناء القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية، باعتبارها شرطاً لاستدامة التفوق العسكري.
العقيدة العسكرية الأميركية الجديدة تؤكد على تقاسم الكلفة المالية، أي أن الولايات المتحدة تريد من الشركاء زيادة إنفاقهم الدفاعي بشكل مستدام، ليس فقط عبر شراء السلاح الأميركي، بل عبر تمويل الجاهزية، والصيانة، والمخزون الاستراتيجي، والبنية التحتية العسكرية والدعم الأميركي لن يكون من دون مقابل، وكل مستوى حماية له كلفة يجب أن يتحمّلها الشريك.
كما تشمل مشاركة العبء تحمُّل المسؤولية العملياتية، حيث يُفرض على الشركاء بناء القدرات التي تمكّنهم من إدارة الأزمات بأنفسهم، واحتواء التهديدات المحلية، دون انتظار تدخّل أميركي مباشر. الولايات المتحدة تريد جيوشاً قادرة على إدارة الحرب، دون أن تكون القوات الأميركية في الصفوف الأمامية، مع الاندماج في منظومة القيادة والسيطرة الأميركية، مما يعني عدم تشكُّل قوى مستقلة خارج المظلة الأميركية، وبهذا المعنى، تتحمل الدول الشريكة الكلفة، بينما تحتفظ الولايات المتحدة بمفتاح القرار والتنسيق الاستراتيجي.
السياسة الجديدة تهدف إلى تحويل الحلفاء إلى عمق لوجستي وصناعي لاستضافة قواعد، ومخازن ذخيرة، ومراكز صيانة، ومنشآت دعم متقدمة، تخدم القوات المحلية والأميركية على حد سواء. هذه البنية تُقلل زمن الاستجابة، وتخفّف الضغط على القواعد الأميركية البعيدة، لكنها تُدار وفق معايير وأولويات أميركية، ويمتد ذلك إلى المجال السياسي والدبلوماسي.
والعقيدة الجديدة تتوقع من الشركاء دعم المواقف الأميركية في المحافل الدولية، والمشاركة في تحالفات الرّدع، واحتواء الخصوم إقليمياً، مما يجعل الدعم السياسي جزءاً من الكلفة غير العسكرية للأمن المشترك وتحييد المنافسين الأبرز.
أميركا كذلك تريد منع المفاجآت، وبالتالي على الشركاء تحمُّل مسؤولية ضبط الساحات الإقليمية، منع التصعيد، حماية خطوط الطاقة والملاحة، والتعامل مع التهديدات غير النظامية، بينما تكتفي واشنطن بدور الضامن الأخير والمتدخل عند الضرورة القصوى. وبذلك فإن الشركاء يدفعون أكثر، ويتحملون المخاطر المباشرة، ويستثمرون في الجاهزية، فيما تحتفظ الولايات المتحدة بالتفوق التكنولوجي، والقرار الاستراتيجي، وحق التدخل النهائي، وهذه هي الصيغة الواقعية للأمن الأميركي في القرن الحادي والعشرين، مع إعادة تسعير الالتزام الأميركي مع الشركاء والحلفاء.
ومن جانب آخر، تؤكد الاستراتيجية على تسريع القاعدة الصناعية الدفاعية التي يجب أن يبنيها الحلفاء بالتعاون مع مراكز الصناعات الأميركية وبشروط محددة، مما يعظِّم قدرتهم على التشغيل البيني، مع تركيز خاص على الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل، والأمن البحري، والقاعدة الصناعية العسكرية، وهي المجالات التي سيُقاس عبرها وزن الشراكة وشروطها في السنوات القادمة.
وبالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، لا تعني الاستراتيجية الأميركية الجديدة انسحاباً أو تخليّاً، لكنها تعني تغيير طبيعة الضمان الأمني الأميركي.
فالدعم الأميركي لم يَعُد تلقائياً أو مفتوحاً، بل أصبح مرتبطاً بمدى قدرة الشركاء على حماية أنفسهم والمساهمة في الاقتصاد الأميركي. وبعبارة أخرى، تنتقل العلاقة من نموذج المظلة الأمنية إلى نموذج الشراكة المشروطة بالقدرة.
بالنسبة لدول الخليج العربي، هذا التحول يتطلب توحيد الجهود وتكثيف العمل المشترك والتركيز المتزايد على الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل، لكون التهديدات التي تواجهها دول الخليج من الصواريخ الباليستية والطائرات والسفن المسيرة والتشويش الراديوي والحرب السيبرانية إلى الهجمات المركبة والمتشعبة والمتزامنة تتجاوز الحدود الوطنية، ولا يمكن التعامل معها عبر منظومات منفصلة لكل دولة.
كما أنه سيكون حتمياً على دول المنطقة العمل وفق شبكات إقليمية موحدة للإنذار المبكر، وتكامل الرادارات، وربط أنظمة الاعتراض، وإنشاء مراكز قيادة وسيطرة مشتركة، بدل الاكتفاء بصفقات تسليح تقليدية، بجانب أهمية الأمن البحري وحماية سلاسل الإمداد بوصفها أولوية مشتركة وحماية البنية التحتية للطاقة، مقابل استمرار الدعم الاستخباري والتقني الأميركي.
إذاً أميركا تسعى نحو تقليص كلفة الهيمنة دون التخلي عنها، وإعادة هندسة الاعتماد العسكري العالمي، والتركيز على احتواء القوى العظمى، وتحصين جبهتها الداخلية اقتصادياً وصناعياً، وربط الأمن القومي بالقاعدة الصناعية، وسلاسل الإمداد، والقدرة على إنتاج الأسلحة النوعية، وتوظيف الذكاء الاصطناعي الفائق، وتسخير الطبيعة والعلوم المتقدمة ومجال الفضاء كسلاح تفوّق.
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.
إقرأ المزيد


