جريدة الإتحاد - 1/26/2026 11:36:33 PM - GMT (+4 )
من عصر الثقافة والإبداع العقلي القائم على البحث والتطوير والاجتهاد، إلى البيئة السطحية المرتكزة على الخوارزميات والمحتوى الذي قد يتسم بالتفاهة ويؤثر بصورة كبيرة في إعادة تشكيل الوعي العربي، يتناول الدكتور علي محمد الخوري هذا التحول الحساس والخطير، بأسلوب مبسط، في أحدث إصداراته العلمية، وعنوانه «هندسة الفراغ: كيف تُصاغ المجتمعات بالتفاهة». وقد استطاع المؤلف على مدى صفحات الكتاب تقديم محتوى عميق ومباشر عندما وضع الهدف من مؤلَّفه، ألا وهو محاولة كشف البنية التي تقوم عليها هذه الظاهرة، وتفسير المسار الذي ساهم في بلوغ التفاهة بؤرةَ التأثير على العقل العربي.
إن التكنولوجيا الرقمية وتطوراتها اليومية المذهلة والمتسارعة لم تعد قاصرةً على تسهيل حياة البشر ونشر المعلومة والمعرفة بسرعة الضوء بين جنبات الكرة الأرضية بمختلف اللغات فحسب، بل أيضاً تنشر المحتوى الشكلي والضعيف على حساب الفكرة الهادفة. وفي هذا الخضم أصبحت «السطحية» و«الفراغ الثقافي» ظاهرة لها أطر وقواعد وأدوات ومنافع اقتصادية، الأمر الذي يصيب المرءَ المثقفَ بالحيرة والارتباك. فالإنتاج البشري في عصر التكنولوجيا الرقمية، حسب الكتاب، أصبح ينتشر ويتنامى بصورة مذهلة، وتتميز نسبةٌ كبيرة منه بأنها بعيدة عن الأطر الثقافية والقواعد والأسس العلمية، وبالتالي فإن أكثر ما يميز ذلك الإنتاج هو السطحية. ولذلك، أصبحت «التفاهة» نمطاً أصيلاً يتغلغل في البنية الاجتماعية، وأصبح الالتصاق بالشاشات هو معيار نجاح ذلك المحتوى السريع وليس اقتناء الكتاب.
كما أصبحت «التفاهة» معياراً جديداً للاستنتاج والتأثير، وذلك لقدرتها الفائقة على الانتشار وإعادة التدوير، بينما أصبح التفكير النقدي والتحليل العلمي والاختلاف الفكري.. أعباء نفسية ومصادر تهديد للسكينة. والأمر اللافت للنظر هو التغييرات الجذرية المتسارعة في منظومة القيم المجتمعية نتيجة انتشار أفكار بلا مضمون ولا عمق فكري.
كما يستعرض المؤلفُ العديدَ من الموضوعات الهامة وذات الصلة بتأثير التكنولوجيا الرقمية على حياتنا وتفكيرنا. فمن جانب، نجد المثقف قد تبدّل دورُه ليصبح غير مؤثر. كما نجد أن مكانةَ الإنسان التي كانت تُقاس بمدى ما يحمله من معرفة وثقافة ذات تأثير في البيئة المحيطة به، أصبحت تقاس بعدد منصاته على وسائل التواصل الاجتماعي وأعداد متابعيه.
ومن هذه الموضوعات ينتقل المؤلف إلى مناقشة الطريقة التي تُعاد بها هندسة الإدراك عبر أنظمة تقنية خفية لا يدركها الكثيرُ منا، ليبين كيف أصبحت الشعارات بديلة عن الأفكار، كيف غدا الشكل أهم من المضمون. وقد ساهم هذا كله في تشويه الهوية ودخولها مرحلةَ الاغتراب والاكتئاب الرقمي بسبب سيطرة المشاعر المفبركة والوجوه الزائفة على حياة البشر وخاصة أجيال الشباب والمراهقين.
ثم يتناول المؤلفُ صناعةَ التفاهة كوظيفة اجتماعية أصبح مَن يشغلها من الطبقة الاجتماعية الرفيعة في ظل نظام إنتاج متكامل يرعى تلك الصناعة، مما يساهم في تفكيك المجتمعات وانتشار الهشاشة الثقافية.
ويختتم الدكتور علي محمد الخوري كتابَه بطرح بعض الحلول التي يراها مناسبةً، وتتمحور في معظمها حول ضرورة بناء بديل معرفي من خلال إعادة تعريف دور المدرسة والمؤسسات الثقافية وغيرها من الجهات الفاعلة في المجتمع. كما يؤكد على أهمية تبنِّي ميثاق ثقافي جديد لإعادة بناء الإنسان على أساس الفكرة وليس الصورة؛ فالحضارات أحياناً تنهار لأسباب داخلية وليس دوماً بالسلاح والحروب، ومقاومة التفاهة هي مفترق طرق بين الوعي والوهم.
*باحث إماراتي
إقرأ المزيد


