جريدة الإتحاد - 1/29/2026 11:30:43 PM - GMT (+4 )
يبدو أن آمال الرئيس ترامب في ضمّ جزيرة جرينلاند قد تلاشت. ففي الأسبوع الماضي، تراجع عن احتمال الغزو العسكري وتخلّى عن التهديد بفرض رسوم جمركية لانتزاع الجزيرة. وبدلاً من ذلك، كتب على منصة «تروث سوشيال» أن هناك «اتفاقاً إطارياً» قائماً، لم تتضح تفاصيله بعد. وبدا أن الأزمة، في الوقت الراهن على الأقل، قد جرى تجنبها.
وهذا يبعث على الارتياح، لكن لا يمكن للدنمارك نسيان ما اعتبره البعضُ «سلوكاً عدوانياً». ففي تصرف غير مسبوق، قال ترامب إنه يرغب في شراء الجزيرة الدنماركية ذات الحكم الذاتي، وإنه قادر على الاستيلاء عليها بالقوة إذا لزم الأمر. ولم يتخيّل أحد أن الولايات المتحدة، مؤسِّسة حلف «الناتو» وقائده الرئيسي، ستهدد بغزو إحدى دوله الأعضاء. ومع ذلك، فقد وصلنا إلى هذه المرحلة.
ماذا سيحدث لاحقاً؟ بالنظر إلى تصريحات الحاضرين الأسبوع الماضي في دافوس بسويسرا، حيث أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن «صدع» في النظام العالمي، لا أحد يعلم ماذا سيحدث على وجه اليقين. ومن المؤكد أن الأوروبيين يسارعون إلى استثمار تراجع ترامب. لكن بعد صدمة الأسابيع الأخيرة، لا ينبغي لأحد أن يشك في أن «الناتو»، كما نعرفه، التحالف الذي كان حجر الزاوية للأمن عبر الأطلسي لأكثر من 75 عاماً، يقترب من نهايته. صحيح أن تفككه لن يكون فورياً، وسيصحبه كثير من الاضطراب.. لكنه لن يكون كارثة، فأوروبا، التي طالما عهدت بأمنها لواشنطن، تمتلك الدافع والوسائل لحماية نفسها. وقد أظهرت مؤخراً مدى فعاليتها عندما بدأ قادتها يعلون بتنسيق مشترك. وفي خضم الاضطراب الترامبي، تملك أوروبا فرصة للخروج من عباءة أميركا.
ولطالما ادّعى ترامب أن امتلاك جرينلاند أمرٌ حيوي للأمن القومي الأميركي. فهو، من جهة، يعتقد أن الصين وروسيا تتطلعان إليها، جزئياً بسبب مخزونها غير المستغل من المعادن.. ومن جهة أخرى، يريد بناء نظامه للدفاع الصاروخي المعروف باسم «القبة الذهبية» على أراضيها. وتنشر الولايات المتحدة حالياً نحو 200 عنصر عسكري في قاعدة بيتوفيك الفضائية في جرينلاند، كما تتيح معاهدة موقعة مع الدنمارك عام 1951 للولايات المتحدة زيادةَ هذا العدد وبناءَ منشآت إضافية على الجزيرة. غير أن ترامب يصرّ على أنه لحماية شيء ما، لا بد من امتلاكه.
وبطبيعة الحال، لا تمتلك الولايات المتحدة أيّاً من أعضاء حلف الناتو. ووفقاً لمنطق ترامب، فإن حمايتهم لا يمكن ضمانها، ولذا ليس من الواضح ما إذا كان سيلتزم ببند الدفاع المشترك في الحلف، أي المادة الخامسة من ميثاقه. وسبق لترامب أن ألمح إلى أنه قد لا يدافع عن حلفاء الناتو إذا تعرضوا للتهديد، ومؤخراً، عندما سُئل بشكل مباشر، لم يستبعد الانسحاب من الحلف بسبب الخلاف حول جرينلاند. وفي خطابٍ حادّ اللهجة في دافوس، عبّر عن استيائه قائلاً: «نُقدّم الكثير، ولا نحصل إلا على القليل في المقابل».
لم يسبق لأي رئيس أن أثار هذا القدر من الشكوك حول التزام أميركا بالأمن عبر الأطلسي. ويبدو أن ذلك ينبع من ازدراء ترامب لأوروبا، وهو شعور عبّر عنه في استراتيجية الأمن القومي لإدارته. فقد صوّرت الوثيقة، الصادرة أواخر العام الماضي، أوروبا على أنها متدهورة اقتصادياً، ومعرّضة لخطر «الزوال الحضاري»، وأقل أهمية من مناطق أخرى، لا سيما أميركا اللاتينية وشرق آسيا. بل تشكك الوثيقة في قدرة بعض الدول الأوروبية على «البقاء حلفاء موثوقين».
أما أوروبا، التي حاولت استمالة ترامب بالهدايا والإطراء والحديث عن «سوء فهم»، فبدأت أخيراً في إظهار بعض العزم. ورداً على تهديداته بشأن جرينلاند، علّق البرلمان الأوروبي التصديقَ على اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. ودرس القادةُ الأوروبيون فرضَ تعريفات جمركية مضادة، وبناءً على طلب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، نظروا في تفعيل آلية الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه، والتي تُمكّن الاتحاد من الرد على الضغوط الاقتصادية. وعلى الفور، أعلن صندوق تقاعد دنماركي عن نيته بيع سندات خزانة أميركية بقيمة 100 مليون دولار.
ولا شك في أن الأوروبيين يشعرون بالارتياح لأن الخلاف حول جرينلاند لم يتفاقم. لكنهم مخطئون إذا ظنوا أن ترامب وحده هو المشكلة. فحتى لو لم يسعَ إلى ولاية رئاسية ثالثة غير دستورية، فإن رؤيته «أميركا أولاً» وعداءه لأوروبا يحظيان بصدى واسع داخل صفوف حركة «ماجا»، وقد يخلفه أحد قادتها. وحتى إذا فاز «ديمقراطي» في الانتخابات الرئاسية المقبلة، فمن المرجح أن تركّز الولايات المتحدة بشكل متزايد على الصين، الخصم الوحيد القادر على تحدي هيمنتها العالمية. وفي كلتا الحالتين، ستستمر أولويات واشنطن الاستراتيجية في التحول نحو مناطق أخرى.
اعتاد القادة الأوروبيون لعقود على الاحتماء بالمظلة العسكرية الأميركية، إلى درجة جعلت تصور عالم بلا حلف «ناتو» شبه مستحيل. غير أن ازدياد ازدراء الولايات المتحدة لحلفائها الأوروبيين يفرض على أوروبا توسيع أفقها والتخلي عن التبعية الأمنية، عبر الالتزام بتحقيق استقلال عسكري حقيقي. فالتحرر من الاعتماد على شريك متقلّب لم يُعد خياراً فكرياً، بل ضرورة استراتيجية.
تمتلك أوروبا كل المقومات اللازمة للدفاع عن نفسها: كتلة سكانية كبيرة، اقتصاد قوي، تقدم تكنولوجي، وصناعات دفاعية متطورة. ما ينقصها هو الإرادة السياسية، في ظل صعوبة التنسيق بين دول ذات سيادة، وتمسك بعض الدول (بولندا ودول البلطيق) بالحماية الأميركية لأسباب تاريخية. ومع ذلك، فهذه العقبات ليست مستحيلة التجاوز، كما يبرهن تاريخ الاتحاد الأوروبي نفسه، الذي جسّد اندماجاً عميقاً كان يوماً ما غير متصور.
لا يملك القادة الأوروبيون ترف التردد: إما الاستسلام للقدرية، أو ممارسة الفعل السياسي عبر إعادة صياغة الاستراتيجية الأمنية، وتحديث القدرات العسكرية، وتنسيق الصناعات الدفاعية.. وقد بدأ مثل هذا التحول فعلياً مع الارتفاع الكبير في الإنفاق الدفاعي الأوروبي.
أما روسيا، فرغم خطابها التصعيدي حيال أوروبا، فلا تشكل تهديداً يستحيل احتواؤه، كما أظهرت الحربُ في أوكرانيا. وبالتعاون مع كييف، تستطيع أوروبا حماية جناحها الشرقي. والخيار النهائي واضح: التبعية المستمرة، أو امتلاك زمام المصير.
راجان مينون*
*أستاذ فخري للعلاقات الدولية في كلية مدينة نيويورك، وزميل بحثي أول بجامعة كولومبيا
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»
إقرأ المزيد


