أرواح تختنق
ايلاف -

من نافذة الطائرة، وقبل أن تلامس عجلاتها أرض المطار، انكشفت أمامي مدينة تشبه الحضارة في مظهرها الخارجي، لكنها تخون معناها في العمق. مشهد مُترع بالألوان الصناعية، كأن قوس قزحٍ مُصنَّع قد انسكب فوق صفوف السيارات المتلاصقة، فصبغ الإسفلت بلمعانٍ قاسٍ بلا دفء. امتد الحديد والإسمنت بلا رحمة، زحفًا أعمى يلتهم ما تبقّى من الطبيعة، حتى خُيّل إليّ أن الأرض قد جُرّدت من جلدها الأخضر، وأُلبست درعًا رماديًا خانقًا، صلبًا، بلا نبض.

قبل 26 عامًا، كانت رحلتي الأولى إلى أميركا تحمل وجهًا آخر للعالم. آنذاك، بدت المساحات الخضراء واسعة كصدرٍ مفتوح، والسماء أقرب وأصفى، والحياة أقل ضجيجًا وأكثر انسجامًا. كانت المدن، بالرغم من حداثتها، تعرف كيف تترك للإنسان مكانًا، وكيف تسمح للهواء بأن يمرّ بلا عوائق، وللضوء بأن يصل بلا استئذان. أما اليوم، فقد انكمشت تلك الصور إلى أطراف الذاكرة، وحلّ محلها زحام خانق، وطرقات لا تعرف السكون، وأبراج خرسانية شاهقة تحجب السماء وتضغط على الأرواح قبل الأجساد. الهواء الذي كان وعدًا بالحياة تحوّل إلى مزيج سام، نتنفسه يوميًا بلا وعي، كأننا نعتاد الموت وهو يتسلل إلينا ببطء.

ما حسبناه يومًا تقدمًا حضاريًا، بات اليوم وجهًا آخر للتهديد. مدننا اختنقت بالدخان، والوجوه التي كانت مشرقة أضحت شاحبة، مرهقة، فاقدة للطمأنينة. القرى الهادئة تحولت إلى مدن صاخبة، والزحام تجاوز حدوده حتى غدا الحادث خبرًا عاديًا، والمأساة تكرارًا يوميًا، يخلّف وراءه قلوبًا مكسورة وخسائر لا تُعوّض. كأننا نعيش في سباقٍ أعمى، لا نعرف إلى أين يقودنا، لكننا نُدرك جيدًا أنه يستهلكنا.

في المستشفيات، تتكدس القاعات بضحايا الحوادث وأمراض التنفس، أجساد أنهكها الهواء الملوّث وضجيج الطرقات. وفي شركات التأمين، تتراكم ملفات التعويض كأنها أرشيف غير معلن لهذا النزيف الإنساني المستمر. أما الصحف، فقد صارت إعلانات النعي فيها جزءًا من المشهد اليومي، أسماء شباب لم تكتمل أحلامهم بعد، اقتنصتهم طرقات قيل لنا إنها رمز الرفاه والتقدم. حتى وكالات السيارات، التي طالما رُوّج لها بوصفها عنوان الحضارة، باتت في عيني مصانع لـ"نعوش معدنية"، تسرّع أو تؤجّل نهاية الإنسان، لكنها لا تغيّر المصير.

اختفى بساط الريف وجماله، وتراجع حضوره أمام مواقف السيارات والأساطيل الضخمة. الأسواق البسيطة، التي كانت تجمع الناس وتمنحهم معنى اللقاء، استُبدلت بمظاهر حضارة متعجلة، صاخبة، أنهكت الروح قبل الجسد، ودفعت التأمل إلى الهامش.

عندما حطّت الطائرة أخيرًا، قررت أن أعود إلى المنزل سيرًا على الأقدام، بحثًا عن أثرٍ من هدوء الماضي، عن لحظة صمت أستعيد فيها نفسي. لكن السيارات لاحقتني بدخانها وضجيجها، كأنها ترفض فكرة السير البشري ذاتها. لم تمضِ دقائق حتى وجدتني أستسلم، أركب إحدى تلك المركبات، الأداة التي تحوّلت إلى ضرورة قسرية في حضارة لا تترك لنا خيارًا.

اليوم، لم تعد حضارتنا مرآة للحياة، بل انعكاسًا مشوّهًا لها. الهواء دخان، والأشجار أبراج صامتة، والموت لم يَعُد حدثًا واحدًا، بل عملية تقسيط يومية، مع كل نفس، ومع كل خطوة.

ويبقى السؤال معلقًا في فضاء القلق: هل ما زال بوسعنا استعادة نقاء الطبيعة وروح الإنسان؟ أم أننا ماضون في اغتيال أنفسنا بصمت حتى آخر رمق؟

إنَّ التقدم الحقيقي هو ما يصون الإنسان ويمنحه حقّه في التنفّس والسكينة، لا ما يسلبه إياهما. وربما آن الأوان لإعادة تعريف الحضارة، واختيار البساطة والهواء النقي، بدلاً من الضجيج والدخان.



إقرأ المزيد