جريدة الإتحاد - 3/28/2026 11:47:44 PM - GMT (+4 )
في الأيام التي أعقبت خطاب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أمام مؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير الماضي، كانت التغطية الصحفية إيجابية للغاية. على عكس الرئيس دونالد ترامب ونائبه فانس - اللذين استخدما في تصريحاتهما أمام المحافل الأوروبية لغة اتسمت بأنها «مهينة» أو «قاسية» أو «تهديدية» - أُشيد بروبيو لـ«أسلوبه المحترم» الذي خفف من مخاوف حلفاء أميركا الأوروبيين.
لكن هذا التقييم الأولي السطحي، وهو أمر معتاد في تغطية وسائل الإعلام الأميركية السائدة، سرعان ما تراجع أمام تحليلات سياسية أعمق، إذ كشف المحللون-عند تجاوزهم للنبرة اللطيفة-عن الأسس التي تقوم عليها تصريحات روبيو. تبرز هنا بعض الاقتباسات من خطابه، والتي تستحق التأمل.
أولاً، هذه العبارة الجوهرية التي تُلخص رؤية القومية المسيحية البيضاء للعالم. قال روبيو للقادة الأوروبيين المجتمعين:
«نحن جزء من حضارة واحدة، الحضارة الغربية. تربطنا ببعضنا البعض روابط متينة، روابطٌ نسجتها قرونٌ من التاريخ المشترك، والإيمان المسيحي، والثقافة، والتراث، واللغة، والأصول، والتضحيات التي قدمها أسلافنا معاً من أجل هذه الحضارة المشتركة التي ورثناها».
وأشار روبيو إلى أن هذه الحضارة التي يتحدث عنها قد امتدت لفترة طويلة: «على مدى خمسة قرون، قبل نهاية الحرب العالمية الثانية، كان الغرب يتوسع - حيث انطلق جنوده، ومستكشفوه من شواطئه لعبور المحيطات، واستيطان قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات شاسعة تمتد عبر العالم». وقال إن هذه الحضارة هي التي منحت العالم «سيادة القانون، والجامعات، والثورة العلمية».
وأعرب روبيو عن أسفه لأن هذه الحضارة الغربية، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، اضطرت لمواجهة تحديات عديدة، وصفها بأنها: الشيوعية، وما أسماه «النظام العالمي القائم على القواعد» والسخيف، والتجارة الحرة، والاتفاقيات الدولية لمعالجة أزمة المناخ، والهجرة. وأكد روبيو أن كل هذه العوامل تقوض السيادة الوطنية وتضعف قوة الغرب واستقلاله في مواجهة بقية العالم.
ووصف روبيو المخاطر التي يمثلها كل من هذه التحديات، لكنه ركز اهتمامه الأكبر على «الهجرة الجماعية»، محذراً من أنها «تهدد تماسك مجتمعاتنا، واستمرارية ثقافتنا، ومستقبل شعوبنا».
في معظم التعليقات والتحليلات الصحفية التي تناولت خطاب روبيو، تم تجاهل ثلاث نقاط رئيسية إلى حد كبير.
أولاً، رغم أن تصريحات الوزير كانت أقل تهديداً من تصريحات الرئيس ترامب ونائبه فانس، إلا أن آراءه كانت تجسيداً خالصاً للقومية البيضاء نفسها التي تبناها «فانس» بحماس شديد، والتي يتشارك الرئيس ترامب مبادئها الأساسية. في الواقع، كانت الاختلافات الوحيدة بين روبيو و«رؤسائه» هي اللهجة والأساليب. فبينما تحدث ترامب وفانس إلى القادة الأوروبيين بنبرة استعلائية، منتقدين ضعفهم وتقاعسهم، سعى روبيو لإقناع الأوروبيين بأنه واحد منهم، وأن لديهم مصلحة مشتركة في العمل معاً للدفاع عن تراثهم المشترك.
ثانياً، إن إشارة روبيو إلى 500 عام من توسع الحضارة الغربية تعكس قراءة غير صحيحة للتاريخ، إذ يمكن أيضاً وصف عصور الاكتشاف والإمبراطورية الأوروبية بأنها عصور الاستغلال الإمبريالي. فقد جاء جزء كبير من تراكم الثروة في أوروبا من نهب موارد آسيا وأفريقيا والأميركتين. ومن الغريب أن يستمر القوميون البيض في تجاهل الدَين الذي تدين به أوروبا للحضارات العربية والآسيوية، وغيرها، في مجالات الفن والعلوم. فقد بُنيت الإنجازات الغربية على ما ورثته (أو سرقته) من الشرق والجنوب.يتجاهل هذا المنظور «المتمركز على الغرب» للعالم تأثير الغزو الاستعماري على ضحايا أوروبا وأميركا. فقد دمرنا اقتصاداتهم أو شوهناها، وحرمناهم من التطور السياسي الطبيعي.
وخلال القرنين الماضيين، قتلت الحضارة الغربية ما يقرب من 100 مليون من أبنائها في حروب خاضتها فيما بينها. وخلال نفس الفترة، كان الأوروبيون والأميركيون مسؤولين عن عدد مماثل من الوفيات بين الشعوب الأصلية في البلدان التي سيطروا عليها. وكما نُقل عن «المهاتما غاندي» قوله عندما سُئل عن رأيه في الحضارة الغربية: «تبدو فكرة جيدة، ينبغي عليهم تجربتها».
وأخيرا روبيو يردد أفكاراً مفادها أن المهاجرين يهددون ثقافتنا. هذا الكلام منافٍ للتاريخ. فالمهاجرون، على عكس ما يُشاع، أثروا الثقافات التي قدموا إليها. ويمكن للمرء أن يتساءل: «كيف ستكون الثقافة الأميركية (أو البريطانية أو الفرنسية) من دون إسهامات المهاجرين في الطعام، والموضة، والأدب، والرياضة، والفنون، وغير ذلك الكثير؟»
رئيس المعهد العربي الأميركي- واشنطن
إقرأ المزيد


