الذكاء الاصطناعي والابتكار والمستقبل الذي نبنيه للأُسر: رؤية دولة الإمارات لعصر تكنولوجي جديد
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في البيت الأبيض قبل أيام، شاركتُ قادة من 45 دولة، إلى جانب ممثلين عن كبرى شركات التكنولوجيا العالمية، في قمة «تعزيز المستقبل معاً» التي دعت إليها السيدة الأولى للولايات المتحدة، ميلانيا ترامب. وتركزت المناقشات حول سؤال محوري: كيف يمكن للحكومات والمؤسسات التعليمية والقطاع الخاص مساعدة الأُسَر على إعداد الجيل القادم لمستقبل تكنولوجي سريع التغير؟
نعيش اليوم في عصر يتّسم بتحوّلات تكنولوجية استثنائية. ولم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد وعد بعيد، بل بات يشكل الاقتصادات والمجتمعات، ويعيد رسم سبل وأساليب تمكين الأجيال القادمة.
وقد تبنّت الإمارات العربية المتحدة هذا التحوّل، وسَعَت إلى ترسيخ مكانتها الريادية كقائد عالمي في مجال ابتكار الذكاء الاصطناعي، مع العمل عن كثب مع شركاء يتشاركون الرؤية، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، لضمان توظيف هذه التقنيات بصورة مسؤولة وأخلاقية بما يخدم البشرية.
وفي وقت تسوده حالة من عدم اليقين الجيوسياسي، تؤمن دولة الإمارات إيماناً راسخاً بضرورة مواصلة مسيرة التقدم والتنمية، فالمنطقة وشعوبها تمتلك القدرة على تحقيق النجاح متى ما استندت إلى رؤية واضحة والتزام مستدام.. وتُعد دولة الإمارات مثالاً حياً على ذلك.
ويتجسّد هذا النهج طويل الأمد في تركيزنا على بناء مستقبل آمن ومزدهر للأجيال القادمة، مدفوعاً باستثمارات مستدامة في مجالات الذكاء الاصطناعي والابتكار والطاقة منخفضة الكربون وتنمية رأس المال البشري. وفي إطار هذه الرؤية الشاملة، برز الذكاء الاصطناعي كركيزة أساسية، مدعوماً بقيادة وطنية قوية وشراكات استراتيجية، تعزز مكانة الدولة كشريك رائد في الابتكار التكنولوجي على المستوى العالمي.
وقامت دولة الإمارات، خلال السنوات الماضية، بخطوات واسعة لتكريس التزامها بالابتكار والريادة في قطاع الذكاء الاصطناعي، وتمثّل ذلك في استراتيجياتها الوطنية ومنظومة الحوكمة.. كما أنها وفي عام 2017 عينت أول وزير دولة للذكاء الاصطناعي على مستوى العالم. وضمن هذا الالتزام، فإنّ «استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031» تحدد مساراً واضحاً لتمكين الدولة من أن تصبح رائدة عالمياً بحلول العام 2031، انطلاقاً من قناعة بأن الذكاء الاصطناعي سيغدو محركاً رئيسياً للتنمية الاقتصادية والنمو المستدام. 
وكمحصلة لهذه السياسة الطموحة، من المتوقع أن تسهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي بما يصل إلى 335 مليار درهم في اقتصاد الدولة، مع إحداث تحولات في قطاعات متعددة، من الطاقة المتجددة إلى استكشاف الفضاء، والأهم من ذلك، التعليم.
لقد شكل التعليم محوراً أساسياً ضمن هذا التوجه. فمنذ البداية، أدركت قيادتنا أن أعظم ثروة لأي دولة تكمن في عقول أبنائها. ومن خلال دمج الذكاء الاصطناعي في منظومتنا التعليمية نعمل على إعداد طلبة يتمتعون بـ«ثقافة الذكاء الاصطناعي»، قادرين على التعامل مع العالم الرقمي بأمان، والمساهمة في تطوير التكنولوجيا، وقيادة ابتكارات المستقبل.
واعتباراً من العام الدراسي 2025 - 2026، أصبح الذكاء الاصطناعي مادة دراسية معتمدة في المناهج المدرسية الحكومية، ما يجعل دولة الإمارات من أوائل دول العالم التي تُدرج الذكاء الاصطناعي ضمن منظومتها التعليمية. كما تتصدر مؤسسات التعليم العالي في الدولة هذا المجال، إذ أطلقت جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي في أبوظبي، وهي من أوائل الجامعات في العالم المتخصصة حصرياً في الدراسات العليا للذكاء الاصطناعي، أول برنامج بكالوريوس لها في عام 2025. فمن خلال الاستثمار في رأس المال البشري إلى جانب التقدم التكنولوجي، تضع دولة الإمارات أسس تحول اقتصادي طويل الأمد، وريادة عالمية في مجال الذكاء الاصطناعي.
وأصبحت دولة الإمارات بالفعل لاعباً رئيسياً على الساحة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث تجاوزت استثماراتها الـ 543 مليار درهم منذ عام 2024. ولا يقتصر هذا الالتزام على المستوى الوطني، إذ تمثل الفجوة الرقمية تحدياً عالمياً فيما يظل التعاون الدولي ضرورة لضمان أن تكون التكنولوجيا قوة للخير. 
وفي هذا السياق، تُعد الشراكة بين دولة الإمارات والولايات المتحدة نموذجاً للتعاون المسؤول في توظيف الذكاء الاصطناعي. ففي مايو 2025، وخلال زيارة الدولة التي قام بها فخامة الرئيس دونالد ترامب رئيس الولايات المتحدة إلى دولة الإمارات، أعلنت شركات «جي 42» و«أوبن إيه آي» و«أوراكل» و«إنفيديا» و«سوفت بنك غروب» و«سيسكو» عن شراكة لبناء مشروع «ستارغيت الإمارات» للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي ضمن المجمع الإماراتي الأميركي الجديد والمتكامل للذكاء الاصطناعي في أبوظبي بقدرة 5 غيغاواط، والذي يُعد الأكبر من نوعه خارج الولايات المتحدة. ويُدار هذا المشروع في إطار «شراكة تسريع الذكاء الاصطناعي بين الإمارات والولايات المتحدة» بقيادة «جي 42»، وسيخدم نحو نصف سكان العالم الذين يعيشون ضمن نطاق 3200 كيلومتر من دولة الإمارات، مع مستهدفات لتقليل الانبعاثات الكربونية من خلال استخدام الطاقة النووية والشمسية والغاز.
 ولا ترتكز هذه الشراكة الاستراتيجية بين دولة الإمارات والولايات المتحدة على التكنولوجيا فقط، بل أيضاً على رؤية مشتركة لعالم أكثر ذكاءً وترابطاً ومرونة. وقد تعاون البلدان على مدى سنوات في مجالات عدة، من استكشاف الفضاء، بما في ذلك «مهمة الإمارات لاستكشاف المريخ»، إلى أمن الطاقة، حيث يشكّل البرنامج النووي السلمي لدولة الإمارات نموذجاً يُحتذى به في معايير السلامة والكفاءة التشغيلية.
 وتعكس هذه الجهود المشتركة كيف يمكن لدولتين تجمعهما غاية واحدة أن تدفعا عجلة الابتكار، وتعززا الازدهار العالمي، وتساهما في ترسيخ السلام والاستقرار.
ويمتد هذا التعاون ليشمل الجيل القادم. فنحن نثمن عالياً جهود السيدة الأولى ميلانيا ترامب، التي تسلط رؤيتها ومبادرتها لتعزيز الحوار حول الأطفال والتعليم والتكنولوجيا الضوء على النهج الإنساني، الذي يشكل جوهر استراتيجية دولة الإمارات. وأنا أقدّر بشكل خاص تركيز السيدة الأولى على دور الأسرة في تنشئة الأجيال. 
 وخلال لقائنا في البيت الأبيض تحدثت عن سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك «أم الإمارات»، وصانعة الأجيال، رئيسة الاتحاد النسائي العام، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، وعن جهودها في تمكين الأسر، بما في ذلك خلال «عام الأسرة».
 وتُذكّرنا مبادرات مثل «تعزيز المستقبل معاً» بأن التكنولوجيا يجب أن تكون في خدمة الإنسان، وأن قراراتنا اليوم سترسم ملامح حياة وفرص أبنائنا لعقود مقبلة. ومن خلال الجمع بين ابتكاراتنا وريادتها في مجالي التعليم وتمكين الطفل نعمل على بناء بيئة عالمية تُمكّن الشباب من الازدهار في عالم يقوده الذكاء الاصطناعي. فمن خلال الجمع بين الابتكار والتعاون الدولي نضمن أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة للتمكين لا للتقسيم، وللتعليم لا للإقصاء، وللتواصل لا للعزلة.
ومع تطلعنا إلى المستقبل، تواصل دولة الإمارات التزامها بالريادة في مجال الذكاء الاصطناعي، وتعزيز شراكاتها، وإعداد الأجيال القادمة للنجاح في عالم رقمي. وقد صُممت سياساتنا لبناء منظومة رقمية شاملة تتاح فيها الفرص الواعدة للجميع، كما يقترن فيها التقدم التكنولوجي بالمسؤولية الأخلاقية، وتضمن الشراكات مع دول مثل الولايات المتحدة أن تعود فوائد الذكاء الاصطناعي على البشرية جمعاء.
 كما تؤكد شراكتنا مع الولايات المتحدة، القائمة على قيم مشتركة والتزام بالتنمية البشرية وتطوير الإنسان، أنّ الابتكار والتعاطف يمكن أن يسيرا جنباً إلى جنب. وبهذا القاسم المشترك نعيد معاً صياغة العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا بما يضمن أن يرث أبناؤنا عالماً زاخراً بالفرص والعدالة والازدهار.



إقرأ المزيد