جريدة الإتحاد - 3/30/2026 11:52:29 PM - GMT (+4 )
خلال الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران تم ضرب واستهداف الحقل المشترك بين إيران وقطر، وهو أكبر حقل غاز بحري في العالم، ويحتوي على نحو 1800 تريليون قدم مكعبة من الغاز القابل للاستخدام، أي ما يكفي نظرياً لتغطية احتياجات العالم نحو 13 سنة، تلاه اعتداء إيران على مدينة رأس لفان الصناعية في قطر لتعطيل نحو 17% من قدرة قطر التصديرية من الغاز الطبيعي المسال، بينما ينتج المجمع نفسه قرابة 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً.
والتساؤل المنطقي: هل الضربات الأميركية الإسرائيلية والاعتداءات الإيرانية السافرة على منشآت النفط والغاز ومشتقاتهما في دول الخليج العربية والبنية التحتية للنقل البحري والشؤون اللوجستية اعتيادية، أم تصبُّ في إعادة تسعير النظام الطاقي؟ وهل ما حدث في عام 2007 وعام 2008 وانهيار الأسواق العالمية يحدث مجدداً، والعالم انتقل من التركيز على ملفات وفضائح في الداخل الأميركي إلى الصراع العسكري، وفي الفناء الخلفي للأزمة هناك من ضاعف ثروته بطريقة خيالية، وما هو قادم من انهيار سيضاعف تلك الثروات؟ ويبقى السؤال: هل ستسمح روسيا والصين بكل ذلك دون أن يكون لديهما ما يجعلهما صامتتين؟
أم أنهما غير صامتتين وهما في قلب الحدث، وهو مما سوف يعقّد الأمور أكثر؟ فقد نُقل عن مسؤولين ومديرين تنفيذيين في أميركا وخارجها أن العالم يواجه شحّاً قد يصل إلى 20 مليون برميل يومياً من إمدادات النفط من منتجين في الشرق الأوسط بفعل الاختناق في مضيق هرمز، وأن النقص بات يضرب أيضاً الأسمدة والبتروكيماويات. ومن جهة أخرى، يحذّر صندوق النقد الدولي من أن كل زيادة مستدامة بنسبة 10% في أسعار النفط ترفع التضخم بنحو 0.4 نقطة مئوية وتضغط بالنمو إلى الأسفل. أي أن أزمة الطاقة تحوّلت إلى أزمة تضخّم، ثم إلى أزمة نمو، ثم إلى أزمة اجتماعية ستجعل المجتمعات حبيسة البيوت، ولن تُزرع منتجات زراعية طبيعية، وسيتضرر العالم لأكل ما تنتجه المختبرات.
وفي جنوب شرق آسيا، أعلنت الفلبين حالة طوارئ في قطاع الطاقة، بعدما قفز متوسط أسعار الكهرباء الفورية إلى 58% في مارس الجاري، بينما تضاعفت الأسعار تقريباً في بعض المناطق وارتفعت إلى 42%. والهند فعّلت صلاحيات طارئة، وأمرت المصافي بتعظيم إنتاج غاز الطبخ، وقلّصت مبيعاته للصناعة لحماية 333 مليون منزل موصول بأسطوانات الغاز، كما تراجعت عن بعض صادرات الوقود لحماية السوق المحلية. جمهورية كوريا الشقيقة رفعت استخدام المحطات النووية إلى 80% وخفّفت قيود الفحم وبدأت حظر صادرات النفط. الصين حظرت صادرات الوقود المكرر وأفرجت عن أسمدة من الاحتياطات التجارية.
واليابان طلبت من أستراليا رفع إمدادات الغاز، وأجرت إفراجاً منسقاً إضافياً من المخزونات النفطية. هذه ليست سياسات اعتيادية، إنها هندسة طوارئ كاملة للعرض والطلب.وفي أوروبا، لا يزال الخطاب أكثر هدوءاً ولكنه الهدوء الذي يسبق العاصفة، حيث نقلت وكالة «رويترز» عن رئيس شركة «شل» أن نقص الإمدادات قد يضرب أوروبا في أبريل المقبل، مع تحذيرات من شحٍّ في وقود الطائرات ثم الديزل والبنزين. وإسبانيا تدرس خفض ضرائب الوقود والكهرباء ومنح إعانات للقطاعات الأكثر تعرُّضاً لتداعيات أزمة الطاقة.
واليونان أعلنت حزمة بنحو 300 مليون يورو تشمل دعم الوقود والأسمدة وتذاكر العبّارات. وسلوفينيا حدّت مؤقتاً من مشتريات الوقود بسبب النقص والشراء التخزيني. وأوروبا لم تصل بعد إلى الانقطاع الواسع، لكنها دخلت بوضوح مرحلة احتواء الصدمة قبل التحول إلى تقنين أوسع. في العالم العربي وأفريقيا، التقشف أصبح ملموساً في الحياة اليومية.
ومصر فرضت إغلاقاً للمراكز التجارية والمحلات والمطاعم عند التاسعة مساءً لمدة شهر لتقليل استهلاك الكهرباء بسبب نقص المنتجات البترولية.
وبنجلاديش تسعى لتأمين مليارات الدولارات لتمويل واردات الوقود والغاز المسال. أما في أميركا اللاتينية، فالمشهد الأشد جاء من كوبا، حيث شهدت البلاد ثلاثة انهيارات شاملة لشبكة الكهرباء في مارس، مع اعتراف رسمي بأن البلاد لم تتلق نفطاً من موردين خارجيين منذ ثلاثة أشهر، وأنها لا تنتج سوى 40% من الوقود الذي تحتاجه. حين تعجز دولة عن إنارة الشوارع ليلاً وتشغيل الاقتصاد في الوقت نفسه، فهذا ليس تقشّفاً فقط، بل علامة على انهيار هامش الأمان كله.
كما أن صادرات دول الخليج العربية تُمثِّل نحو ثلث صادرات اليوريا وربع صادرات الأمونيا، وأن ما يصل إلى 40% من صادرات الأسمدة النيتروجينية العالمية يمر عبر هرمز، مع ارتفاع أسعار اليوريا 50% والأمونيا 20% منذ الحرب. هذا يهدد الأمن الغذائي مباشرة، خصوصاً في الدول الفقيرة والمستوردة بشدة مثل البرازيل، وبسبب كلفة النقل الخيالية ستقوم الشركات الكبرى للنقل الجوي والبري والبحري بالحدّ من رحلاتها لمستوى غير مسبوق. والأدق ليس أن العالم قد يدخل ما يمكن تسميته «الإغلاق»، بل إنه دخل بالفعل مرحلة أولى من «الإغلاق الطاقي المتدرج».
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.
إقرأ المزيد


