جريدة الإتحاد - 3/30/2026 11:52:35 PM - GMT (+4 )
يشهد الاقتصاد العالمي تحولات جذرية تُعيد رسم ملامح القوى الصناعية وتوازناتها، مدفوعةً بالتطور التكنولوجي المتسارع وتغيُّر أنماط الإنتاج. وفي خضم هذه المتغيرات المتلاحقة، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة كنموذج استثنائي في بناء اقتصاد مرن ومستدام.
وفي هذا السياق، يأتي انعقاد معرض ومؤتمر «اصنع في الإمارات 2026» خلال الفترة من 4 إلى 7 مايو 2026 في مركز أدنيك أبوظبي، بتنظيم من وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، ليُمثّل خطوة إضافية في مسيرة التحول الصناعي في دولة الإمارات.
ويعكس هذا الحدث رؤية استراتيجية تهدف إلى تعزيز مكانة الإمارات كمركز صناعي عالمي، من خلال تقديم حوافز استثمارية غير مسبوقة، ورفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي، مما يعكس إرادة صلبة لتقليل الاعتماد على النفط وبناء اقتصاد قائم على المعرفة.
ويكتسب معرض ومؤتمر «اصنع في الإمارات 2026» أهميته من ارتباطه المباشر الاستراتيجية الوطنية للصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، والتي أظهرت قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة عبر مؤشرات أداء استثنائية. فقد شهد القطاع الصناعي نمواً ملحوظاً في مساهمته بالناتج المحلي الإجمالي لعام 2024، بنسبة 57% مقارنة بعام 2020، ويشير هذا النمو المتسارع إلى قدرة الإمارات على الاستمرار في مسارها لتحقيق الهدف الطموح برفع مساهمة القطاع إلى 300 مليار درهم بحلول عام 2031.
ولا تقتصر أهمية هذه الأرقام على قيمتها الإحصائية، بل تكمن في دلالاتها العميقة على وجود بيئة تشريعية واستثمارية محفّزة، نجحت في تحويل التحديات الاقتصادية العالمية إلى فرص نمو محلية، ما يُعزّز من تنافسية الإمارات على الصعيد الصناعي العالمي، ويؤسّس لنمو مستدام طويل المدى.
ويمتد الأثر الإيجابي للاستراتيجية الوطنية للصناعة والتكنولوجيا المتقدمة ليشمل قطاع التجارة الخارجية، حيث شهدت الصادرات الصناعية قفزة نوعية، مسجّلة رقماً قياسياً بلغ 262 مليار درهم عام 2025، بنمو نسبته 25% مقارنة بالعام 2024. ويتزامن هذا الأداء القوي مع نمو الناتج المحلي الإجمالي لدولة الإمارات بنسبة 5.1% خلال الأشهُر التسعة الأولى من عام 2025، ليصل إلى 381.2 مليار دولار.
وتؤكد هذه الإحصائيات أن القطاع الصناعي لم يَعُد مجرد رافد للإنتاج المحلي فحسب، بل أصبح محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي الشامل، وتسهم المبادرات المنبثقة عن منصة «اصنع في الإمارات» في تنويع مصادر الدخل الوطني، ورفع مرونة الاقتصاد في مواجهة التقلبات العالمية، وتمكين الإمارات من استغلال الفرص التجارية الإقليمية والدولية بفعالية أكبر.
وفي الواقع، فإن منصّة «اصنع في الإمارات» قد تحوّلت إلى محفّز فعلي للاستثمار المباشر وإحلال الواردات. ففي الدورة السابقة لعام 2025، نجح الحدث في استقطاب مشاريع صناعية جديدة تجاوزت قيمتها 11 مليار درهم، وشهد توقيع اتفاقيات لفرص شراء جديدة بقيمة 7.8 مليار درهم. كما تميزت تلك الدورة بحضور استثنائي تجاوز 122 ألف زائر ومشارك، بمشاركة أكثر من 720 مؤسسة وطنية ودولية.
وتبشّر هذه الثقة الكبيرة من قِبل مجتمع الأعمال الدولي والمحلي بأن دورة 2026 ستشهد زخماً أكبر، خاصة مع إعلان وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة عن توفير حلول تمويلية تنافسية تزيد على 40 مليار درهم على مدى خمس سنوات لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة والمشاريع المبتكرة.
ولا يمكن إغفال البُعد البشري في هذه المعادلة التنموية، إذ تُولي القيادة الرشيدة اهتماماً بالغاً بتمكين الكوادر الوطنية في القطاع الصناعي. وبفضل المبادرات المتكاملة مثل برنامج المحتوى الوطني ومعرض «مصنعين»، أسهم القطاع الصناعي في توفير أكثر من 22 ألف فرصة عمل للمواهب الوطنية حتى نهاية عام 2024.
يُمثّل معرض ومؤتمر «اصنع في الإمارات 2026» محطّة مهمّة في تحويل الطموحات الصناعية لدولة الإمارات إلى واقع ملموس، من خلال التكامل بين الحوافز التمويلية، والسياسات الداعمة للمحتوى الوطني، والتوجه نحو التصنيع الذكي والمستدام. ولا تسعى الإمارات فقط لزيادة حجم إنتاجها الصناعي، بل لتأسيس نموذج صناعي تنافسي، يضمن أن يكون القطاع الصناعي هو قاطرة النمو المستدام، مما يُرسّخ مكانة الإمارات كوجهة عالمية مفضلة للاستثمار الصناعي والتكنولوجي المتقدم.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
إقرأ المزيد


