مواقف رخوة أم قراءات متراخية!
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

أثناء الغزو العراقي للكويت، ظهرت هناك مواقف واضحة، وحادّة، ومتراخية، ومواقف رخوة، ومواقف متنصلة من الكرم والمعروف، وعدّها البعض حينها قراءات خاطئة في تقدير الواقع وتداعيات الوقائع وسبر المستقبل مع أن ميزان القوى بدأ يتضح في الأفق.
وبعدها وأثناء الهجوم الأميركي على العراق واجتياحه، والحضور الإيراني على الخريطة العراقية، وهو حضور لم تكتسبه إيران بالحرب، بل بالسياسة والأيديولوجيا الدينية، ظهرت مواقف متبانية بين «نعم ولا ولعم»، مواقف تنصلت من بغداد، وهي التي كانت معها قبل ذلك، مواقف ظهرت رخوة وكانت متشددة، وعُدّ ذاك عند البعض قراءات خاطئة للموقف العام، لا موقفاً يحسب عليهم، متعة البعض وخاصة العاطفيين من الدهماء وفاقدي الوعي السياسي والفكري، والذين تقودهم البلاغات البلاغية، والحماسات الغائبة نتيجة هزائم متكررة شخصية وعامة، يمكنها أن تسود وتؤثر حتى على النخبة المثقفة التي تراجع دورها منذ زمن بعيد وبعد هزائم كثيرة ومتلاحقة لهم في الوطن العربي، والتي تصر على أن تسوغ بعض المبررات، وتلوك بعض العبارات وتقلب بعض المفاهيم؛ فالهزيمة قد تتحول إلى نكسة، رغم أن الهزيمة دائمة والنكسة مؤقتة، وإصرارها على استعمال التراجع التكتيكي رغم أن التراجع التكتيكي للمنتصر لا المنهزم، نفس هذه الفئة أصرت على اعتبار ما جرى ليس موقفاً ثابتاً، بل هو خطأ في قراءة الواقع ورهان المستقبل للـ«جيو بوليتيك».
جاءت أحداث غزة، وظهر الغوغاء من العامة والمثقفين والمأجورين والمستأجرين، وبدؤوا يرمون سهام التخوين، ويرفعون شعارات المبادئ، بعيداً عن أي فعل سياسي وموقف جريء في العمل «الثوري» كما يشتهون ويتمنون، وهو بعيد عن أنوفهم المتمرغة في وحل الخيانات الباطنية في الداخل ومن الخارج، حتى لقد شبع أهل غزة هاشم من الهتافات الحزبية التي تبدأ بالروح بالدم، ومن الدعم بالمساندات البلاغية؛ روحوا ونحن من ورائكم! ما بقي لأهل غزة وسكانها إلا المخلصون الصامتون المؤمنون بعروبتهم وإسلامهم، والشرفاء في العالم، وأطفال صغار في أوروبا يتبرع الواحد منهم بعلبة معجون أسنان هي قيمة ما في حصالته.
وفي الحرب الأخيرة والدائرة رحاها منذ شهر ويزيد في الخليج منبع النفط والغاز والنموذج الاقتصادي العربي الناجح، ظهرت كما في غيرها من الأحداث المصيرية أصوات النشاز، وهذه المرة مدججة بهواتف نقّالة وكاميرات جاهزة، وميكروفونات مدمجة، والكل يكح ويسعل وينبح ويعلق ويشيد ويحلل؛ لذا خرجت أصوات رخوة، أصوات متراخية، أصوات منحازة دون أي سبب أيديولوجي أو قومي، أصوات شامتة وهي تظهر لأول مرة بشكل واضح؛ شامتة من تكرار النجاح والتفوق، حاقدة على النموذج، وتلمس الغد وبعده اليوم، بشاعة الحقد من الكبير الذي يعد نفسه أنه كان وما زال كبيراً على صغير ما عاد في حقيقة الأمر صغيراً، بل كبير كنموذج لليوم وبديل للمستقبل، ولا ولن يعترف بتفسير المواقف الرخوة، ولا خطأ القراءات المتراخية.



إقرأ المزيد