هل يُصلح المالُ فوضى انتخابات التجديد النصفي؟
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

ازدادت أجواء التشاؤم داخل الحزب الجمهوري بشأن انتخابات التجديد النصفي، حيث أدت الحرب الإيرانية، وارتفاع أسعار الوقود، وازدحام المطارات، إلى انخفاض شعبية الرئيس دونالد ترامب. لكن يبقى هناك عامل حاسم في السباق: 300 مليون دولار من أموال حملة ترامب. وإذا كان هناك عامل حاسم في الحملة الانتخابية المقبلة، فربما يكمُن في كيفية توظيف الرئيس وفريقه السياسي لميزتهم المالية الهائلة هذه، بافتراض أن الحملات الإعلانية الضخمة لا تزال قادرة على التأثير في الناخبين المترددين في هذا العصر المُستقطب.

دعونا نتجاهل هذا الافتراض للحظة، ولننظر أولاً إلى حجم التمويل الهائل الذي جمعته لجنة العمل السياسي الداعمة لترامب، والتي يُسيطر عليها حلفاء مقرّبون من الرئيس. حتى في عصر الإنفاق الهائل على الحملات الانتخابية، تُعدّ لجنة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» (ماجا) - وهي لجنة العمل السياسي - بمثابة صندوق ادخار ضخم. في انتخابات عام 2024، أنفق جميع المرشحين الجمهوريين للكونجرس واللجان الخارجية مجتمعين ما يقارب ملياري دولار على الإعلانات.

ويُمثل رصيد ترامب الحالي حوالي 15% من ذلك المبلغ، وإذا استمرت حملة «ماجا» في جمع الأموال هذا العام بنفس الوتيرة، فستتدفق مئات الملايين الإضافية. تُضاف إلى ذلك نجاحات اللجنة الوطنية الجمهورية، التي كان لديها أكثر من 109 ملايين دولار في نهاية فبراير. هذا مبلغ ضخم لدرجة أن اللجنة، في آخر فترة إبلاغ، ربحت أكثر من 7 ملايين دولار من الفوائد والأرباح فقط، أي أقل ببضعة ملايين فقط مما جمعته اللجنة الوطنية الديمقراطية إجمالاً خلال تلك الفترة. من المنطقي، إذن، أن نتوقّع أن يمتلك فريق ترامب أكثر من نصف مليار دولار ليُنفقها الرئيس كما يشاء.

بإمكانهم توسيع نطاق المنافسة، وتوظيف الأموال لدعم أي حملة واعدة تُعاني من صعوبة في جمع التبرعات. كما يُمكنهم الإنفاق بكثافة لتحديد مرشح ديمقراطي مُنهك من انتخابات تمهيدية مُكلفة، كتلك التي تتشكل في ميتشيجان وماين. سيجد الديمقراطيون صعوبةً بالغةً في مُجاراة ذلك. ويُمكن لحركة «ماجا» والحزب الجمهوري تكثيف حملاتهم الإعلانية التقليدية التي تُركّز على المرشحين في السباقات الانتخابية الرئيسية. لكن هنا تكمن المسألة التي «نعرف أننا لا نعرفها»، على حدّ تعبير وزير الدفاع السابق «دونالد رامسفيلد».

فالسؤال الكبير هو ما مدى تأثير كل هذا المال في ظل الاستقطاب السياسي الحالي؟ لأن الفائزين في نوفمبر لن يُحسموا بحجم الأموال المُجمعة، بل بعدد الأصوات المُدلى بها. نعلم أن الأموال الطائلة يُمكنها أن تُساعد في حشد ناخبي الحزب وإقناعهم بدعم مرشحه. هذه هي الاستراتيجية التي استخدمها الجمهوريون لهزيمة ثلاثة من كبار الديمقراطيين في مجلس الشيوخ عام 2024. كان السّخط على الرئيس جو بايدن قد ساهم في صعود الجمهوريين آنذاك، وكان حشد الناخبين المُؤيدين للحزب الجمهوري تكتيكاً ناجحاً. لكن مع تراجع استطلاعات الرأي الحالية، فإن تكرار هذا الإنجاز لن يُؤدي إلا إلى تجنُّب أسوأ السيناريوهات. يحتاج الجمهوريون إلى تغيير جذري، لا إلى تقليل الخسائر، وهذا يطرح خياراً لم يستخدمه أي من الحزبين لعقود.

ماذا لو استغل ترامب ثروتَه الهائلة لتمويل حملة إعلانية ضخمة ذات توجُّه حزبي، تُبرز إنجازاته وتُقارنها بإنجازات الديمقراطيين؟ باختصار: «صوّتوا للجمهوريين». هذا تحديداً ما فعله الرئيس رونالد ريجان في انتخابات عام 1982. وغالباً ما ننسى مدى سوء الأوضاع بالنسبة للجمهوريين آنذاك. فقد كانت البلاد في ركود عميق وطويل، ولم تكن السياسات النقدية الصارمة قد نجحت بعد في كبح التضخم. وانخفضت نسبة تأييد ريجان إلى نحو 42%، وهو قريب من مستوى ترامب الحالي، عشية الانتخابات. ومع ذلك، خسر الحزب الجمهوري مقاعد أقل مما كان متوقعاً في مجلس النواب واحتفظ بالسيطرة على مجلس الشيوخ.

وكان السرّ في أن ريجان دعا الناخبين دائماً إلى «الاستمرار في المسار» فيما يتعلق ببرنامجه الاقتصادي. وقد ساعده ذلك على إقناع مؤيديه الذين بدأوا يشعرون بالقلق من أدائه في أول عامين، بالاستمرار في دعمه، أي منحه فرصةً أخرى على أمل تحسن الأوضاع. وقد نجحت هذه الاستراتيجية جزئياً لأن الناخبين تذكّروا مدى سوء الأوضاع في ظل سيطرة الديمقراطيين الموحدة قبل عام 1981. وفي انتخابات التجديد النصفي لعام 2022، تبنّى بايدن نهجاً مشابهاً، وإنْ كان ذلك دون حملات إعلانية حزبية واسعة النطاق لدعمه.

ركّز بايدن بلا هوادة على المخاطر المزعومة التي قد تنجم عن منح السيطرة للجمهوريين المؤيدين لترامب، ولم تتحقق الموجة الجمهورية التي توقّعها كثيرون حول نسبة تأييد بايدن البالغة 42%. بل على العكس، فاز الديمقراطيون بمقعد إضافي في مجلس الشيوخ وخسروا السيطرة على مجلس النواب بفارق ضئيل. لكن مثل هذه الخطوة الحزبية الكُبرى ستكون مقامرةً كبيرةً بالنسبة لترامب. ولتحقيق فرصة نجاح، سيتعين عليه إطلاق إعلانات منسّقة ومصمّمة بعناية في أكبر الأسواق الإعلامية في الولايات والمناطق المستهدفة. وسيكون ذلك مكلفاً للغاية حتى مع استخدام تحليلات متقدمة لتحديد الجمهور.

وفي الوقت نفسه، سيشتكي المرشحون الذين يواجهون هجمات إعلانية ديمقراطية من عدم توجيه الأموال بشكل مباشر لدعمهم. كما تتطلب هذه الاستراتيجية انضباطاً شخصياً غير معتاد من ترامب. إذ يجب أن تتماشى خطاباته الانتخابية مع الرسائل الإعلانية، بحيث تدعم تغطيته الإعلامية المجانية الرسائل المدفوعة.

وقد تمكّن من ذلك في عام 2024. ومع ذلك، يبقى استخدام ترامب لميزته المالية الكبيرة هو «المجهول المعروف» الأبرز في هذه الدورة الانتخابية. فكيفية إنفاقه لهذه الأموال ستكون من أبرز التطورات التي ستُتابع عن كثب مع مرور الوقت.

*زميل بارز في مركز الأخلاقيات والسياسة العامة.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
     



إقرأ المزيد