إيران بعد الحرب بقراءة إماراتية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

الثبات الإماراتي في هذه الأزمة لا يقتصر على مواجهة الاعتداءات الإيرانية الغاشمة فحسب، بل يعكس فلسفة دولة تدرك أن الخطر لا ينتهي مع توقف الحرب، بل يمتد إلى ما بعدها. لذلك يتجه النظر إلى إيران التي ستخرج منها، وإلى الخليج الذي سيتعامل مع نتائجها في اليوم التالي. فالفرق كبير بين الاحتواء وترك المستقبل مفتوحاً على عودة المنطقة إلى الدورة نفسها من التهديد والتصعيد والابتزاز.
ومن هنا تتضح المقاربة الإماراتية.

وقف إطلاق النار مهم، لكنه لا يكفي. والوساطات الإقليمية، مهما أفادت في خفض التصعيد، لا تصنع وحدها تسويةً مستقرةً إذا بقي أصلُ المشكلة قائماً. فقد جرّبت المنطقة من قبل التهدئة المؤقتة، والاتفاقات الجزئية، والفصل بين الملفات، وكانت النتيجة تأجيل الخطر لا إنهاءه. لذا فإن أي صفقة تنهي الحرب من دون معالجة جذورها ستبقى هدنة مؤقتة، لا أكثر.
المشكلة مع إيران لم تعد تُقرأ في الخليج بوصفها خلافاً سياسياً قابلاً للاحتواء بتفاهم سريع. فالتجربة الطويلة تؤكد أن القضية أوسع من ذلك بكثير. إذ يتكرر نمط من السلوك يقوم على استخدام الصواريخ والمسيّرات، وتوظيف الأذرع والميليشيات، والضغط على الممرات البحرية، والتدخل في شؤون الدول، وتحويل التوتر إلى أداة تفاوض. لذلك لا يكفي أي ترتيب يلامس الملف النووي وحده، ولا أي تفاهم يجمّد جانباً ويترك الجوانبَ الأخرى مفتوحةً. فالمقاربةُ الإماراتية تنطلق من أن التهديد الإيراني حزمة واحدة، ويجب أن يُعالج على هذا الأساس.
ومما يزيد هذه الصورة تعقيداً أن مستقبل البرنامج النووي الإيراني لا يزال غامضاً. فالحرب قد تُضعف هذا المسار، لكنها لا تكفي وحدها للجزم بأنه انتهى أو بأنه لن يعود بصيغ مختلفة. وهذه مسألة مهمة في حسابات اليوم التالي، لأن الاستقرار لا يُبنى على افتراضات غير مضمونة، بل على أسس قابلة للتحقق تمنع إعادة إنتاج الخطر بعد توقف الحرب.
ولهذا أيضاً لا يمكن فصل مضيق هرمز عن المعادلة الأمنية الأوسع، من دون اختزال المسألة فيه وحده. فقد كان هذا الممر نموذجاً لطريقة إدارة الأزمة، أي استخدام الممرات والطاقة والتجارة العالمية كورقة ضغط. لكن المشكلة لا تبدأ هناك ولا تنتهي عنده، بل في قابلية النظام الإيراني لتسييس الجغرافيا، واستخدام أدوات القوة غير التقليدية، وإبقاء المنطقة تحت ضغط دائم. لذا فإن منع تحويله إلى أداة ابتزاز يجب أن يكون جزءاً من معالجة أشمل لبنية التهديد الإيراني في المنطقة.
 لم تنطلق الرؤية الإماراتية من رغبة في الفوضى داخل إيران، ولم يكن المطلوب انهيارها أو تفككها. فحالة عدم اليقين لا تخدم مصلحة الخليج ولا استقرار الإقليم. وما يُنتظر مستقبلاً هو دولة مختلفة في سلوكها، جارة طبيعية تحترم القانون الدولي، وسيادة الدول، وعدم الاعتداء، وحرية الملاحة، وتكف عن إدارة نفوذها عبر الأذرع المسلحة. وهذه ليست شروطاً تعجيزية، بل الحد الأدنى لأي علاقة مستقرة وطبيعية مع محيطها الخليجي.
استمرار الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج أنهى عملياً ما تبقى من أوهام حول إمكان الفصل بين خطاب التهدئة والسلوك الفعلي. فقد سعت دول الخليج إلى تجنب الحرب، ولم تدفع إليها، ومع ذلك لا تزال تحت تهديد الصواريخ والمسيّرات. وهذا لا يمكن تجاوزه بترتيب شكلي أو تفاهم مؤقت. لذلك يجب أن يقوم اليوم التالي بعد الحرب على ضمانات واضحة، وعلى معالجة شاملة ومستدامة، لا على تبريد الأزمة وانتظار جولة جديدة. هذه هي القراءة الإماراتية بكل واقعية. إنهاء الحرب مطلوب، لكن الأهم هو إنهاء الشروط التي جعلتها ممكنة.


*كاتب إماراتي



إقرأ المزيد