جريدة الإتحاد - 4/2/2026 1:55:25 AM - GMT (+4 )
في ظل تسارع التحولات الاقتصادية العالمية، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة كنموذج يتجاوز مفهوم «إدارة الأزمات» إلى إعادة توظيفها كفرص لتعزيز ثقة مجتمع الأعمال وترسيخ موقعها في الاقتصاد العالمي. ويعكس هذا الأداء منظومة اقتصادية متكاملة تقوم على الرؤية الاستشرافية، والانفتاح التجاري والاستثماري، إلى جانب سياسات استباقية وشراكة فعّالة بين القطاعين العام والخاص، ما يمنح الدولة قدرة عالية على التكيف مع المتغيرات الدولية، ويُعزّز جاذبيتَها للاستثمارات الأجنبية المباشرة ويكرّس استدامةَ النمو الاقتصادي في مختلف القطاعات الحيوية.وفي هذا السياق، جاء انعقادُ الاجتماع الأول لمجلس الإمارات للمستثمرين بالخارج لعام 2026، في 18 مارس 2026، برئاسة معالي الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي، وزير التجارة الخارجية، رئيس المجلس، لبحث ومناقشة الأولويات الاستراتيجية التي تُشكّل أجندة الدولة الاستثمارية، وآليات ترسيخ مكانة الإمارات باعتبارها واحدة من أكبر المستثمرين حول العالم، بما يعكس جهود الدولة للمُضي بخططها للتنمية الاقتصادية مع التوسع باستثماراتها خارجياً وتعزيز جاذبيتها للاستثمار الأجنبي، حيث ناقش الاجتماع مجموعةً من المبادرات الجديدة الداعمة لإنجاز الأولويات الاقتصادية للدولة وتحقيق أهدافها الاستراتيجية.
وفي الإطار ذاته، يأتي تعزيز الاستقرار الاقتصادي على قائمة أولويات مؤسسات الدولة في ظل الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأميركية، وفي مقدمة تلك الجهود تبرُز حزمة الدعم التي أقرّها مصرف الإمارات المركزي في مارس 2026، بهدف تعزيز مرونة المؤسسات المالية بالدولة ودعم متانة القطاع المصرفي، والتي تتضمن خمسة محاور رئيسية، تشمل تخفيف متطلبات الاحتياطي الإلزامي للبنوك لتعزيز الوصول إلى السيولة، وتوفير تسهيلات بالدرهم والدولار، بما يمنح البنوكَ مرونةً أكبر لدعم الاقتصاد الوطني، كما أن تلك الحزمة مدعومة بأصول تتجاوز تريليون درهم، بما يعكس قوة الأُسس التي يستند إليها القطاع المصرفي البالغ حجمه نحو 5.4 تريليون درهم، إذ رفعت وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني في فبراير 2026 نظرتها المستقبلية للنظام المصرفي بالدولة من «مستقرة» إلى «إيجابية».
كما تبرُز جهود دولة الإمارات في تعزيز استدامة سلاسل الإمداد ضمن أولوياتها الاستراتيجية، حيث أكدت وزارة الاقتصاد والسياحة تكثيف الرقابة على منافذ البيع لضمان استقرار أسعار السلع وتوافرها بكميات كافية تُلبّي احتياجات المستهلكين. وتعكس هذه الإجراءات قدرةَ الدولة على إدارة المخاطر الاقتصادية، مستندةً إلى مخزون استراتيجي من السلع الأساسية يغطي الأسواق لمدة ستة أشهر، مدعوماً بمنظومة قوية للأمن الغذائي وشبكة علاقات اقتصادية متينة مع الأسواق العالمية، ما يعكس مرونة الدولة في مواجهة المتغيرات الاقتصادية الدولية.
وعلى صعيد آخر، نظّمت غُرف دبي، بالتعاون مع جمارك دبي ومجموعة «دي بي ورلد»، لقاءَ أعمال موسعاً ضم 100 مسؤول من كبريات الشركات المحلية والعالمية. ركّز اللقاء على متابعة التطورات في قطاع الشحن والخدمات اللوجستية ومناقشة الحلول العملية لضمان انسيابية حركة السلع وتعزيز استقرار الأسواق. وتعكس هذه المبادراتُ قدرةَ الدولة على الجمع بين الرؤية الاستراتيجية والتطبيق العملي، مما يسهم في تعزيز تنافسية الأسواق المحلية واستدامة سلاسل الإمداد في ظل المتغيرات الراهنة.
وفي الواقع، ورغم التحديات الاستثنائية التي تشهدها المنطقةُ، فإن هذه الإجراءات والقرارات تبرز قوةَ الرؤية الاستراتيجية لدولة الإمارات، مما يتجلى بوضوح في مشروع «منطقة دبي للأغذية» الذي أعلنت عنه «مجموعة دبي العالمية» مؤخراً، وما يقدّمه من قيمة مضافة لتعزيز مكانة دبي والإمارات في منظومة سلاسل الغذاء العالمية، إذ سيتيح المشروعُ بنيةً تحتيةً متكاملةً تشمل مرافق متقدمة للتخزين المبرد، ومراكز للمعالجة الأولية والثانوية، بالإضافة إلى حلول رقمية متطورة لإدارة العمليات، ومرافق متخصصة للبيع بالجملة والتجزئة، على أن تبدأ المرحلة الأولى منه في عام 2027، مما يعكس التزامَ الدولة بتأمين استدامة الغذاء وتعزيز كفاءة القطاع.
وتُجسّد هذه الجهود مجتمعةً نموذجاً متكاملاً يعكس التزامَ دولة الإمارات بتوفير بيئة أعمال محفّزة ومجتمع نابض بالحياة للمواطنين والمقيمين، بما يتماشى مع توجهات وثيقة المبادئ الاقتصادية للدولة، مثل اقتصاد منفتح على العالم، وجذب أفضل الكفاءات الاقتصادية، مع ضمان جودة حياة عالية، فضلاً عن صون استقرار الأنظمة المالية، وبناء اقتصاد مستدام ومتوازن يحمي الموارد للأجيال القادمة.
* صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
إقرأ المزيد


