التجارة بدون أميركا.. والتحدي الكندي
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

لا تزال الحرب مع إيران مستمرة دون نهاية تلوح في الأفق. لكن بعض حلفاء الولايات المتحدة المقربين بدؤوا في إعادة النظر في علاقتهم مع الرئيس دونالد ترامب، ويسعون إلى إيجاد سبل للنأي بأنفسهم عن سياساته المتقلبة وغير المتوقعة. ويتجلى هذا بوضوح في سياق التجارة العالمية.
وعلى مدى أكثر من نصف قرن، لعبت الولاياتُ المتحدة دورَ المهندس الرئيسي والركيزة الأساسية للنظام التجاري العالمي. فمنذ تأسيس مؤسسات «بريتون وودز»، بعد الحرب العالمية الثانية، مروراً بجولات تحرير التجارة المتتالية، ضمنت القيادة الأميركية بقاءَ الأسواق مفتوحةً، والتَوافقَ مع القواعد بشكل عام، واحتواءَ النزاعات ضمن إطار متفق عليه. ويشهد هذا النظامُ اليوم تغيراتٍ دقيقةً ولكنها ذات أثر بالغ.
وتُجسّد التطوراتُ الأخيرةُ في السياسة التجارية الكندية هذا التحول. فمن خلال الاتفاقية الشاملة والتقدمية للشراكة عبر المحيط الهادئ، والاتفاقية الاقتصادية والتجارية الشاملة مع الاتحاد الأوروبي، رسّخت كندا مكانتَها في إطارين تجاريين رئيسيين يعملان بشكل مستقل عن الولايات المتحدة. ولا تستبعد هاتان الاتفاقيتان واشنطن صراحةً، ولكنهما تُقلّلان من مدى ضرورة المشاركة الأميركية لتحقيق التكامل الاقتصادي المتقدم.
وتحمل هذه التحوّلاتُ دلالاتٍ هيكليةً لا رمزية. ففي سياق منطقة المحيط الهادئ، تستطيع كندا والمكسيك تنظيم سلاسل إمداد تعتمد على مدخلات من آسيا، مما يُقلّل الاعتماد على الإنتاج الأميركي. وفي سياق العلاقات عبر الأطلسي، تحظى الشركات الكندية بامتيازاتٍ في الوصول إلى الأسواق الأوروبية بموجب قواعد تتجاوز في بعض جوانبها تلك المتاحة في أميركا الشمالية، لا سيما في مجالات الخدمات والمشتريات والتعاون التنظيمي. وينتج عن ذلك ظهورُ ممرات اقتصادية بديلة تُقلل من مركزية الولايات المتحدة.
ولا تقل أهميةً عن ذلك القواعد التي يتم وضعها ضمن هذه الأطر؛ إذ يجري التفاوض على الأحكام التي تُنظم التجارةَ الرقمية وتدفقَ البيانات والملكية الفكرية وتطبيقها دون مشاركة أميركية. وفي بعض الحالات، تعكس هذه القواعد نهجاً أكثر انفتاحاً تجاه حركة البيانات عبر الحدود مما تسمح به مناقشات السياسة الأميركية الحالية، وفي حالات أخرى، تتوافق بشكل أوثق مع التفضيلات التنظيمية الأوروبية. وبمرور الوقت، ستُشكل هذه المعايير الممارسات التجارية والتوقعات المؤسسية، مما يُنشئ نظام حوكمة موازياً لا يعتمد على القيادة الأميركية.
ينبغي فهم هذه العملية على أنها تنويع استراتيجي لا قطيعة استراتيجية. فكندا لا تنأى بنفسها عن الولايات المتحدة، إذ أن موقعها الجغرافي وحجمها الاقتصادي يجعلان ذلك غير ممكن وغير مرغوب فيه. بل إنها تُقلل من تأثرها بتقلبات السياسة الأميركية من خلال توسيع خياراتها في أماكن أخرى. وتتبنى دول أخرى استراتيجيات مماثلة، مدفوعةً بمخاوف بشأن الرسوم الجمركية، ومرونة سلاسل التوريد، ومدى وضوح الالتزامات الأميركية، فضلاً عن رغبة أوسع في تحقيق الاستقلال الاقتصادي.
وقد يكون الأثر التراكمي لذلك هو تجزئة تدريجية للنظام التجاري العالمي. فمع تكاثر الاتفاقيات المتداخلة، يزداد خطر تباين القواعد المنظمة للاستثمار والتجارة الرقمية والمعايير عبر المناطق المختلفة. ومع تزايد الاتفاقيات المتداخلة، يتزايد خطر تباين القواعد المنظمة للاستثمار والتجارة الرقمية والمعايير بين المناطق. وسيتعين على الشركات متعددة الجنسيات التعامل مع بيئات تنظيمية متعددة، مما يرفع التكاليف ويعقّد عمليةَ اتخاذ القرارات. والأهم من ذلك، أن قدرة أي دولة بمفردها على وضع المعايير العالمية ستتضاءل، لا سيما في القطاعات الناشئة للاقتصاد العالمي اليوم وفي المستقبل القريب.
أما بالنسبة للولايات المتحدة نفسها، فلا يكمن التحدي في الإزاحة الفورية، بل في التهميش التدريجي. فقد كانت الهيمنة في النظام الاقتصادي الدولي تعتمد دائماً أقل على الإكراه وأكثر على المشاركة. ومن خلال البقاء خارج الاتفاقيات الرئيسية أو تبنّي سياسات تثبط الاندماج، تخاطر واشنطن بالتخلي عن دورها في تحديد الأجندة لصالح أطراف أخرى مستعدة للمضي قدماً.
والاستجابة المناسبة ليست تفكيك هذه الترتيبات، بل الاعتراف بأهميتها والنظر في أفضل السبل للتفاعل معها. فالبديل هو عالم تظل فيه الولايات المتحدة قوة اقتصادية كبرى، لكنها لم تعد تحتل الموقع المحوري الذي اعتادت عليه.
ستكون لتبعات هذا التحول آثارٌ طويلة الأمد. فالنظام التجاري العالمي لا ينهار، بل يتطور إلى بنية أكثر انتشاراً وتعدداً في الأقطاب، بنية لم يعد بالإمكان فيها افتراض القيادة الأميركية.

 *مدير البرامج الاستراتيجية بمركز «ناشونال انترست» - واشنطن

 



إقرأ المزيد