يقول المتوصف: «الحظ ما حَدّ شَرَاه»!
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

حينما تلتقيه مصادفة في أماكن يعشقها في العين قديماً، ربما في سكيك الطين والنخل وعرشان الجريد، غير بعيد عن أفلاجها وحاراتها التي تسكن رأسه، وضحكة ناسها، وذاك الوطر الذي مرَّ من سنين، ولاحقاً ربما في سوق العين أو «جبرة الخضرة» أو وهو يقص أثره نزولاً من الهَملة أو مروراً بالعقدة، والآن ربما راجعاً من زيارة عجوز من أهله أو أحد من ناسه أو ماراً يتذكر شيئاً يحنّ له، وهو الذي يعرف أم سبع البلادين مثل خطوط كفه.
اليوم.. إذا ما التقيته بغترته البيضاء الرقيقة والتي يداري بها أحياناً ضحكته، ومرات دهشته وتعجبه، ومرات عاتباً، وناشداً كعادته، يبتديك ببيتين من الشعر مطابقين للحالة التي بينكما، والود الذي تقتسمانه، يقولهما بعد السلام، وقبل «التشره» وكل الذي في خاطره، مترحماً على أمواتك وأمواته رسة الدار: 
ويا مرحبا به ما لفتنا مراجيب
عند الذي صافي وداده ولا حاد
زين الكلام مرتب الجيل ترتيب
شروات ما الجوهر منظّم بالأعقاد
ذلك هو «الحظ مصبح فرحان الكويتي»، خزانة الأدب والشعر والأمثال والوصف والتوصيف، منذ وقت طويل، وحينما كنت أراه أطلب منه أن يدوِّن ما في صدره من دُرٍّ وجوهر، ومن كلام الناس، وذاكرتهم، فالذاكرة اليوم طريّة، ونخاف من قادم الأيام حينما لا تسعفنا، وهو خبير وبصير في الثقافة الشفاهية للمكان، خاصة العين حيث هواه، ومرتع صغره، ومطرح صباه، وكل تلك الأشياء الجميلة فيها التي تكتحل بها عيناه، كان يَعِد ويطول الوعد، لكنه بعد سنوات فاجأني بصدور كتابه الأول «يقول المتوصف»، وسعدت بالكتاب، وبصاحبه سعادة غامرة، لأن التجربة الأولى للأمور، خاصة إنْ كانت ناجحة، تستمطر أموراً أجمل وأكثر، وهذا ما نريده من «الحظ الكويتي»، والذي له من اسمه نصيب، وحكاية تمنيته أن يقصها عليّ، ويسرد حكايته مع العين مكاناً وأناساً وذاكرة كواحد كان من ضيوف فيلمي التسجيلي الطويل «في سيرة الماء والأهل والنخل»، فكان ضيف الشرف في الفيلم.
كتاب «يقول المتوصف» من الكتب التي يطرب لها الناس القدامى، لأنه يذكرهم بأشياء عاشوها، وكانت جزءاً من تفاصيل يومهم بالأمس، والآن غابت فجأة في الجديد والسريع، وهو زاد للجيل الجديد المتعطش لمعرفة شيء من أشياء أهله الأولين، وهو وإنْ كان كتاباً، لكن القارئ سيشعر أنه ينقصه الكثير، لأن طبيعة مادة الكتاب مثل «الذي من البحر يغرف، وإلا يهايل من نقا عود»، لذا كنت أتمنى على «الحظ» أن يعدنا بإكمال التجربة، وصدق القول فأمطرنا بالجزء الثاني وبانتظار تكملة الأجزاء المكملة للكتاب، فذاكرته مليئة بمحفوظات الصدور، ومتجددة بمن التقاهم ويلتقي بهم، وهو قادر على ذلك، لأنه أمر محبب لنفسه، ويكاد أن يمارسه في كل ساعات يومه، ويعرف الغريب والقريب والبعيد. ثم قدم لنا «أبو محمد» كتاب «رمستنا.. منظرتنا»، ولديه كتابان عن العين وأمكنتها وحكاياتها، وكتاب نعده سوياً هو «ديوان هنقر».
شكري وامتناني لأنني استمتعت بكتاب «يقول المتوصف» بجزءيه، وكل كتب «الحظ» ومخطوطاته، مثلما يطربني حديثه، داعياً أن يجد ذاك الاحتضان والتكريم، لأن بعض الرجال لا يتكررون، و«الحظ» أولهم!
الآن.. كلما رأيت «أبو محمد» أو التقيته، وكأنني أستمتع بحديثه على الواقف حينما ألتقيه مصادفة أو حين أتعنى له، طمعاً في فنجان من دلته المزلولة، ومغرفتين من قرصه المدقوق، وأَزْيد.. ولا تكفي، والذي بعد حديثه الشيق ذاك، عادة ما يقفله ببيتين، ويودعك بابتسامة يخبئها عنك، ويقول معتذراً: إن شاء الله ما أثقلت عليك بالوقفة والحديث! لأن..:
حد من العرب ياذيك ماذاه
يازم شرى الضبضوب فالعين
والروح طفرت من حجاياه
ويزيــد فــــــوق الهمّ همّين
وتودعه بشيء يطرب نفسه ويشقيها:
العيــــــن يا المعمـــــــــــــــــــورة    ترف ورطبها زيـــــن 
هب بالخوص محظوره     ميدورةٍ بالطيــــــــــن
تاخذ شهــــــر ممطــــــــــورة     مسقايه بفلييـــــــــن
فيها حـــــسين الصـــــــــــورة     فايج دلال وزيــــــــــــــن
جنّه القمـــــــــر في نــــــــوره     ومحـــــني الكـــــفـــــين
‏من لابةٍ مشهــــــــــــــــــــــــــــــورة     وميراه وسط العين



إقرأ المزيد