جريدة الإتحاد - 4/4/2026 11:51:46 PM - GMT (+4 )
تواصل دولة الإمارات العربية المتحدة جهودها الخاصة بترسيخ منظومة الأمن السيبراني، في ظل تسارع التحولات الرقمية وتزايد التهديدات المرتبطة بالفضاء الإلكتروني. ويعكس هذا التوجه إدراكاً عميقاً لأهمية الأمن السيبراني بوصفه ركيزةً أساسية لحماية البنية التحتية الرقمية ولضمان استمرارية الخدمات الحيوية، خاصةً مع التوسع الكبير في استخدام التقنيات الذكية في قطاعات حيوية مثل الطاقة والمياه والمال والصحة والنقل.
وترتكز هذه المنظومة على رؤية استراتيجية شاملة منبثقة من توجهات القيادة الرشيدة التي تولي أهميةً قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة ومستدامة تدعم الابتكار وتواكب تطورات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة. وقد تُرجمت هذه الرؤية إلى سياسات وطنية واستثمارات مستمرة ومبادرات نوعية تستهدف رفع الجاهزية السيبرانية، بما يضمن حماية الأصول الرقمية وتعزيز ثقة الأفراد والمؤسسات في الاقتصاد الرقمي، ودعم التحول نحو اقتصاد قائم على المعرفة والتكنولوجيا.
وفي هذا الإطار، يَبرز الدورُ المحوري لمجلس الأمن السيبراني لحكومة دولة الإمارات في قيادة هذا التحول، من خلال تطوير منظومة متكاملة ترتكز على الحَوكمة الفعالة، وبناء القدرات الوطنية، وتعزيز التكامل بين الجهات الحكومية والخاصة. وتعمل غرف العمليات السيبرانية التابعة للجهات الحيوية على مدار الساعة لرصد التهديدات وتحليلها، وتفعيل آليات الاستجابة السريعة، بما يضمن احتواءَ المخاطر وتقليل آثارها، ويعزّز مرونة الأنظمة الرقمية في مواجهة التحديات المتزايدة.
وتؤكد المؤشراتُ والتقاريرُ الدولية المكانةَ المتقدمةَ التي وصلت إليها دولة الإمارات في مجال الأمن السيبراني، حيث صُنفت ضمن الفئة الأعلى عالمياً في مؤشر الأمن السيبراني الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات عام 2024. ويعكس هذا التصنيف نضجَ البنية التشريعية والتنظيمية، وتكامل السياسات الوطنية، وكفاءة الكوادر البشرية العاملة في هذا القطاع، فضلاً عن مستوى التنسيق المؤسسي العالي. كما يعزّز هذا الإنجازُ مِن موقع الإمارات كمركز إقليمي وعالمي للابتكار التكنولوجي وكوجهة موثوقة للشركات العالمية التي تبحث عن بيئة رقمية آمنة ومستقرة.
وتعتمد الإمارات على استثمارات كبيرة تُقدّر بنحو ملياري درهم سنوياً، تُوجَّه لتطوير الأنظمة التقنية وتعزيز قدرات الذكاء الاصطناعي في الكشف المبكر عن الهجمات، إضافة إلى تحديث البنية التحتية الرقمية بشكل مستمر. وتشير البيانات إلى تعامل الجهات المختصة مع نحو 150 ألف محاولة هجوم إلكتروني يومياً، يتم التصدي لها بكفاءة عالية، ما يعكس مستوى متقدماً من الجاهزية والقدرة على الاستجابة السريعة.ويُشكّل التعاون الدولي ركيزةً أساسيةً في استراتيجية الإمارات لدعم منظومة الأمن السيبراني، من خلال بناء شراكات مع كبريات الشركات العالمية والمؤسسات البحثية لتبادل الخبرات وتعزيز القدرات الدفاعية. ويبرز في هذا السياق التعاون مع «جوجل كلاود» لإطلاق مركز تميز عالمي للأمن السيبراني، بما يدعم الابتكار، ويسهم في تطوير الكفاءات الوطنية، ويعزّز بيئةَ الشركات الناشئة في هذا المجال الحيوي.
وتحمل هذه الشراكات أبعاداً اقتصادية وتنموية مهمة، إذ تسهم في تقليل الخسائر الناتجة عن الجرائم السيبرانية، وتعزّز جاذبية الدولة للاستثمارات الأجنبية في قطاع التكنولوجيا، إضافة إلى خلق فرص عمل نوعية في مجالات الأمن السيبراني والتقنيات الرقمية، فضلاً عن دعم القدرة على استشراف المخاطر المستقبلية وتطوير حلول مبتكرة لمواجهتها.
ولا يقتصر الأمن السيبراني على الجوانب التقنية فقط، بل يشمل أيضاً تعزيزَ الوعي المجتمعي، الذي يرتكز على أهمية دور الأفراد في حماية الفضاء الرقمي من خلال الالتزام بممارسات الاستخدام الآمن، والتحقق من مصادر المعلومات، وتجنّب الوقوع في الاحتيال الإلكتروني أو نشر المحتوى المضلل، بما يعزّز مناعةَ المجتمع الرقمي. وبموازاة ذلك، تولي الدولةُ اهتماماً كبيراً لبناء القدرات الوطنية عبر برامج تدريبية متخصصة والتعاون مع المؤسسات الأكاديمية، بهدف إعداد كوادر قادرة على التعامل مع التهديدات السيبرانية المعقدة.
تُمثّل جهود دولة الإمارات في تعزيز منظومة الأمن السيبراني نموذجاً متكاملاً يجمع بين الرؤية الاستشرافية والتقنيات المتقدمة والتعاون المؤسسي والمجتمعي، بما يعزّز قدرتَها على مواجهة التحديات السيبرانية الراهنة والمستقبلية بكفاءة عالية، ويكرّس ريادتَها العالميةَ في هذا المجال. ويؤكد ذلك التزامُها المستمر بالابتكار وتطوير الكفاءات الوطنية، وترسيخ بيئة رقمية آمنة تدعم مسيرة التنمية المستدامة والازدهار الرقمي.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
إقرأ المزيد


