لماذا لا أستطيع السفر؟
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

كل يوم يتصل بي أخي ويدعوني للسفر للبحرين التي يقيم فيها. لكنني لا أستجيب لدعوته رغم اشتياقي إليه بسبب أمراضي التي لا تتيح لي السفر. ورغم أني أتذكر حكمة السفر التي قيلت قديماً عن فوائد السفر (سافر ففي الأسفار خمس فوائد: تفريج الهمّ، واكتساب المعيشة، والعلم، والآداب، وصحبة الماجد) لكن حيرتني دلالتها، فكأنها تدعو إلى الهجرات، لا للسفر. أما (تفريج همٍ) فهي الرغبة الخفية لمن يتوق للسفر. أما (علم وآداب) فهي المعرفة التي سيكتسبها المسافر عن البلاد التي سيسافر إليها، ويتعرف على سكانها وطرق معيشتهم وسلوكهم وتقاليدهم. وأما (صحبة ماجد) فهي الصدفة التي ستعرفك بإنسان قد يصبح صديقاً على مدى أيام السفر والذاكرة! لكن صيفنا الذي سيأتي ككل صيف في بلادنا متقداً بحرارة وجفاف يحيل أوراق الشجر إلى اصفرارها، لكنه صيف بلادنا الغالية على كل حال، بقيظه وغيظه، بكسله اللذيذ وخموله المترف، بعجزه الذي لا يعلو به إلى مقام السحب ليهطل مطراً ولا رذاذاً، ولا تمهله رمال الصحراء كي يتبرد به الزهر أو يبتل به العشب من حرائق الشمس، ورغم ملايين الأجهزة التي تهدر على مدار ثلاثة أو أربعة فصول يظل حارقاً، إنه صيفنا هذا الذي يهيئ لنا ألف سبب للفرار من قيظه، ويهمس في أرواحنا ذلك الشوق الغامض الأبدي للسفر. فإن اتسعت اليد سافرنا، وإن ضاقت احتمينا بفيء الحلم بالسفر الذي نفتح به جدار السكون وأسيجة الرتابة والملل. والسفر أيضاً دعوة لاكتشاف ما لم نعرفه ولم نألفه في البلاد التي سنسافر إليها. إنه دعوة لنهوض الدهشة في حياتنا، والتوغل في ما كان مجهولاً ليصبح معلوماً لدينا، كأننا نخرج من دائرة الجهل إلى دائرة المعرفة. إنه الشوق الخفي الكامن في روح الإنسان للمعرفة والامتداد والاكتشاف. وليبرهن لنا أننا كائنات تعشق الحياة بتجلياتها الجميلة. فكأن السفر نداء خفي إلى ما لا نعرفه بعد. ومنذ قديم الأزمنة لم يكن السفر بدافع الهروب من حرارة القيظ أو شوق المعرفة، فقد أصبح في أزمنتنا هذه معنى آخر لدلالة السفر. من الذي يدفع بالمقتدرين إلى التجوال بين البلدان التي ستهبهم المتعة والبهجة وكسر الرتابة ومألوف المشهد الواحد. وأذكر كم كنت سعيدة عندما سافرت مع خالتي التي اعتادت أن تسافر كل صيف إلى مدينة «صبيحة» في تركيا، لأنها ملت من مشهد جدران البيت، وتتوق إلى مشهد الجبال والغابات، وطراوة الصيف!



إقرأ المزيد