جريدة الإتحاد - 4/6/2026 10:41:04 PM - GMT (+4 )
حين يُساء فهم المواقف المتزنة تصبح الحاجة إلى إعادة قراءتها بعينٍ هادئة ضرورة، لا دفاعاً عنها بقدر ما هو دفاع عن الفكرة التي تحملها؛ فحين تُقرأ المواقف خارج سياقها يسهل تحميلها ما لا تحتمل، ويعمد بعض أصحاب الرؤية القاصرة إلى ليّ دلالات الكلام وتحميله ما لا يُراد منه. وهذا ما حدث مع مقال معالي السفير يوسف العتيبة، الذي نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» قبل أيام، وجرى تداوله بكثافة، ورافقته تفسيرات ذهبت بعيداً عن مقصده.
المشكلة لم تكن في نص المقال، بل في طريقة قراءته. فبعض العبارات، مثل الحديث عن «الحسم» أو القول: إن «وقف إطلاق النار وحده لا يكفي»، اقتُطعت من سياقها، وقدّمت وكأنها دعوة إلى استمرار الحرب، بينما المعنى، في جوهره، مختلف تماماً. ومن هنا تحديداً تنشأ الحاجة إلى توضيح الفارق بين ما يُفهم ظاهراً، وما تقصده الإمارات فعلياً في مقاربتها لهذه القضايا.
الإمارات لا ترفض وقف الحرب، ولم تكن يوماً دولة تبحث عن صراع. لكنها، وبوضوح، ترفض أن يتحول وقف إطلاق النار إلى مجرد استراحة بين جولتين. هذا هو الفرق. والتجارب القريبة في المنطقة تقول الشيء نفسه: كل هدنة لا تعالج أصل المشكلة تتحول لاحقاً إلى أزمة أكبر. لذلك، حين يُطرح الحديث عن ضرورة معالجة مصادر التهديد فهو ليس تصعيداً، بل محاولة لمنع التصعيد القادم.
هذا الطرح لا يمكن فصله عن نهج دولة الإمارات منذ قيام الاتحاد، وهو نهج لا ينبني على ردود الفعل، بل على رؤية تدرك أن الاستقرار لا تصنعه الحلول السريعة، بل الحلول الصحيحة. ولهذا، استثمرت الدولة في التنمية، وفي الإنسان، وفي بناء نموذج قائم على الانفتاح والتعايش، لا على إدارة الأزمات.
وإذا ما تأملنا طبيعة التحولات الدولية اليوم ندرك أن العالم لم يعد يحتمل منطق «إدارة الأزمات» بقدر ما يحتاج إلى «إنهائها». فالتشابك غير المسبوق بين الاقتصادات، وتسارع تدفق المعلومات، وهشاشة التوازنات الإقليمية، كلها عوامل تجعل من أي اضطراب محلي أزمة ذات امتداد عالمي. ومن هنا، فإن الدعوة التي عبّر عنها السفير يوسف العتيبة لا يمكن قراءتها بمعزل عن هذا السياق الدولي المعقّد، ولا عن إدراك متقدم لطبيعة المخاطر القادمة إن بقيت جذور الأزمات دون معالجة. كما أن ما أكده معالي الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، في أكثر من مناسبة يعكس فهماً استراتيجياً يتجاوز ردود الفعل الآنية نحو بناء معادلة استقرار قادرة على الصمود. فالمسألة لم تعد خياراً بين الحرب والسلام فقط، بل بين سلامٍ هشّ يُعيد إنتاج التوتر، وسلامٍ راسخ يُعيد تشكيل الواقع على أسس أكثر توازناً واستدامة.
وفي هذا السياق، لا يبدو ما طرحه السفير العتيبة موقفاً منفرداً، بل هو امتداد لخطاب متسق، عبّر عنه أيضاً معالي الدكتور أنور قرقاش في أكثر من مناسبة. الفكرة واحدة: المنطقة لا تحتمل دورات متكررة من التوتر، والحلول المؤقتة ليست حلاً.
المسألة، ببساطة، تتعلق بكيف نعرّف «السلام». هل هو غياب مؤقت للصوت العالي؟ أم إزالة الأسباب التي تنتج هذا الصوت من الأساس؟ والفارق بين الاثنين كبير. الأول يمنح هدوءاً سريعاً، لكنه هش. أما الثاني فيحتاج جهداً أكبر، لكنه وحده القادر على تثبيت الاستقرار.
ومن هنا، فإن ربط هذه الرؤية بقضايا الاقتصاد العالمي، وأمن الطاقة، وسلامة الممرات البحرية، ليس مبالغة في الطرح، بل توصيف دقيق للواقع. فهذه المنطقة لم تعد شأناً محلياً، وأي اضطراب فيها ينعكس مباشرة على العالم.
الإمارات، في هذا الإطار، لا تطرح نفسها متلقياً للأحداث، بل شريكاً في معالجتها. وهي لا تدعو إلى نقل الأعباء، بل إلى توزيعها بشكل عادل، لأن الاستقرار مسؤولية مشتركة.
إن قراءة مواقف الدولة، سواء جاءت في مقال أو تصريح أو تدوينة، تحتاج دائماً إلى هذا السياق الأوسع. فالموقف الإماراتي ليس انفعالاً ظرفياً، بل تعبير عن رؤية ثابتة ترى أن السلام الحقيقي لا يقوم على تأجيل الأزمات، بل على إنهائها من جذورها.
وفي زمن تختلط فيه القراءات، ربما يكون الأهم هو التمييز بين من يسعى إلى تهدئة مؤقتة، ومن يعمل على استقرار طويل المدى. والإمارات، كما عرفها العالم، اختارت الطريق الأصعب… لكنه الطريق الذي يدوم.
*كاتب إماراتي
إقرأ المزيد


