العدوان الإرهابي الإيراني على الإمارات.. حين يُستهدف نموذج الاستقرار
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

«نظام الملالي» ليس توصيفاً لغوياً، بل اختزالاً لبنية حكم دينية ثورية تُخضع القرار السيادي لمرجعية تتجاوز الدولة، وتتعامل مع الإطار الوطني كحدٍّ قابل للاختراق. ومنذ عام 1979، لم ينظر هذا النظام إلى الخليج بوصفه جواراً سيادياً مستقراً، بل مجالاً مفتوحاً لإعادة تشكيل موازين القوة وفق منطق التمدد غير المباشر، وتكريس النفوذ عبر أدوات غير تقليدية.
وما يميّز المشروع الإيراني ليس الاحتلال العسكري التقليدي، بل نموذج إدارة الفوضى كأداة سيادية: نقل الصراع إلى داخل الدول، وبناء شبكات نفوذ تُزاحم مؤسساتها في القرار، وتُعيد تشكيل التوازن من الداخل. فالحرس الثوري و«فيلق القدس»، المصنَّفان كمنظمتين إرهابيتين لدى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والعديد من الدول، لا يعملان كأذرع عسكرية، بل كمنظومات نفوذ عابرة للحدود تُفكك الدولة من داخلها.
ما يبدو حوادث متفرقة من تفجيرات وخلايا واغتيالات ليس عشوائياً، بل نمطَ عمل مؤسسياً يقوم على اختراق الداخل دون تحمّل كلفة المواجهة. هنا لا يكون العنف وسيلة، بل آلية تشغيل لإدارة الفوضى وتوسيع النفوذ بشكل مستمر ومنهجي.
والغاية ليست السيطرة على الجغرافيا، بل نقل مركز السيادة من مؤسسات الدولة إلى شبكات تعمل داخلها ومن خلالها، بحيث تُزاح الدولة من موقع القرار شكلياً، ويُخترق تماسكها ويُعاد توجيهها من الداخل، فتتغيّر وظيفتها ذاتها.
في هذا الإطار، لا يُفهم الاعتداء الإرهابي على الإمارات كحادثة معزولة، بل كامتداد مباشر لهذا النهج. فهو ليس تصعيداً طارئاً، بل نتاج منظومة قرار توظف القوة خارج الحدود دون تحمّل تبعاتها، بما يشكّل تحدياً مباشراً لقواعد الاستقرار الإقليمي والنظام الدولي القائم على سيادة الدول.
غير أن ما حدث أعاد تعريف الحدث ذاته. حين تُسجّل الإمارات اعتراض أكثر من 2755 هدفاً معادياً، فنحن أمام تمركز العبء الرئيسي للحرب فوق سمائها، بعدما استوعبت أكثر من 50% من الصواريخ والمسيرات الإيرانية، حيث يتحوّل فائض النار إلى عجز في الأثر. فالهجوم كُسر قبل بلوغ غايته، وسقطت قيمته الاستراتيجية قبل أن تتشكّل نتائجه.
وهنا يتضح أن العداء الإيراني للإمارات ليس طارئاً، بل نتيجة تناقض يمسّ جوهر تعريف الدولة ووظيفتها. فالإمارات تمضي في مسار يقوم على إنتاج الاستقرار وصناعة التنمية والاستثمار في الإنسان، بينما يقوم المشروع الإيراني على إدارة الفوضى وتوسيع النفوذ عبر تفكيك الدول من الداخل ونقل الصراع إلى بنيتها.
لهذا لا يُقرأ ما يحدث كخلاف سياسي تقليدي، بل كصراع على معنى الدولة نفسها: بين نموذج يُنتج الاستقرار، وآخر لا يستمر إلا في بيئات الاضطراب. وهنا تتجاوز المسألة حدود التنافس إلى مستوى التهديد الوجودي، إذ إن نجاح الإمارات لا يحقق إنجازاً داخلياً، بل يُسقط المبرر الذي يقوم عليه النموذج المقابل.
ومن هذا المنظور، تتغير طبيعة المواجهة. لم تَعُد مسألة ردع، بل إثباتاً. الإمارات لم تكتفِ بإسقاط الاعتداءات، بل واصلت العمل والبناء تحت الاستهداف، مقدّمة دليلاً على أن السيادة تُقاس بالقدرة على تحييد الأثر قبل أن يتحول إلى نتيجة. وعندما يفقد العدوان أثره قبل أن يتحقق، فإنه لا يخسر عسكرياً، بل يسقط معناه ووظيفته.
بهذا المعنى، لا تمثّل الإمارات طرفاً في صراع، بل معياراً يُعاد به قياس الدولة: دولة تُمارس سيادتها بالفعل، وتُنتج استقرارها عبر مؤسسات تعمل بكفاءة حتى تحت الضغط. وهذا ما يفسر الاستهداف، لأن نموذجاً يثبت أن البناء ممكن لا يُواجه لأنه ناجح فقط، بل لأنه ينزع عن خصومه مبرر استمرارهم.
ما جرى لم يكن استهداف منشآت، بل محاولة تعطيل فكرة الدولة القابلة للاستقرار. غير أن النتيجة جاءت معاكسة: استمرارية الدولة كانت الرد، وتحويل التهديد إلى إثبات كان النتيجة. وهنا تتكرس معادلة مختلفة، دولة لا تكتفي بحماية الاستقرار، بل تفرض معاييره، وتعيد تعريفه بوصفه نتيجة فعل، لا ظرفاً عابراً.
*كاتب وباحث إماراتي



إقرأ المزيد