رسالة وفاء
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 قبل أيام وصلتني رسالة عبر تطبيق «واتساب»، وفي العادة لا أهتم بمشاهدة ومتابعة مضمونها بسبب كثرة الرسائل التي تحمل فيديوهات لمواقف وطرائف أو حتى قصصاً من هنا وهناك. لكن هذه الرسالة أرسلها أكثر من صديق مما دفعني لفتحها، خاصة أن قراءتها لم تستغرق أكثر من دقيقة.
الرسالة أنعشتني وصبغت يومي بالبهجة، وشعرت بالمودة تجاه صاحبتها التي لا أعرفها، ولا أعرف جنسيتها، لكن ما تحمله من صدق يكشف الكثير من معاني الوفاء - في زمن عزّ فيه الوفاء - فقد باتت هذه القيم النبيلة للأسف غائبة من مفردات حياة البشر، وسادت مكانها صفات أخرى مخجلة، الأمر الذي دفعني لنقل نص الرسالة أولاً قبل التعليق عليها.
الرسالة المؤثّرة لسيدة تدعى لميا عبدالعال على موقع «إكس»، تقول فيها: «كان اليوم موعد جلسة كيماوي لابني في مستشفى برجيل الشارقة تحت إشراف بروفيسور حميد الشامسي … ولا حول ولا قوة إلا بالله.
تحت أمطار غزيرة وزحام أول يوم عمل بعد العيد، علقنا في الطريق بين دبي والشارقة لأكثر من 3 ساعات… وبدأ مستوى السكر لدى ابني بالانخفاض، والوقت يداهمنا، استنجد زوجي بدورية شرطة… فكان الرد إنسانياً يفوق الوصف، لم يتركوه وحده لحظة، تحولت الرحلة إلى طوق نجاة، سيارة إسعاف تحمل ابني، ودوريات شرطة خلف سيارة زوجي تفتح الطريق حتى باب المستشفى..مشهد لن يُنسى.
دولة تحتضن الإنسان قبل أي شيء..الإمارات مش بس بلد..الإمارات أمان.. إنسانية.. قلب كبير يحتضن القريب والغريب.
حفظ الله الإمارات قيادةً وشعباً، وجزاهم عنا كل خير… فالشكر لا يكفي».
انتهت رسالة السيدة لميا وأبدأ تعليقي عليها بخالص الدعاء لنجلها أن يمُنّ عليه الله بالشفاء وأن يلبسه ثوب الصحة والعافية.
هذه الرسالة التي تعبّر عن أصالة معدن كاتبتها، وتؤكد أن الوفاء قيمة تُشيِّد العلاقات وتُحصِّن المجتمعات، وأنه ليس مجرد خُلقٍ عابرٍ يُذكر في سياق المدح، بل هو ركيزة أخلاقية عميقة تقوم عليها العلاقات الإنسانية في أصدق صورها، سواء بين الأفراد أو بين الدول والمجتمعات.
الوفاء ليس قولاً يُقال، بل موقف يُتخذ، وفعل يُترجم وقت الحاجة، فمن السهل أن تكون حاضراً في أوقات الرخاء، لكن الامتحان الحقيقي يكمن في لحظات الشدة، حيث تتكشف معادن الناس، ويُعرف الصادق من الزائف، وإذا كانت المصالح تجمع الناس (وهي بالفعل كذلك حتى بين الدول)، فإن الوفاء يمنح تلك العلاقات معناها الإنساني النبيل.
ليس من الصعب أن تحيط نفسك بالأصدقاء في أوقات الرخاء، حيث الابتسامات متبادلة، والمجالس عامرة، والكلمات لطيفة لا يكلف قولها جهداً، لكن الحقيقة التي لا تخطئها التجارب أن الصداقة لا تُقاس بعدد اللقاءات، ولا بكثرة الكلمات، بل تُقاس بموقف صادق عند الحاجة.
والشدائد هي الاختبار الحقيقي للعلاقات، والصديق هو مَنْ يحضر حين يغيب الجميع، لا ينتظر دعوة، ولا يتذرع بالظروف، وجوده لا يكون استعراضاً، بل سنداً هادئاً، قد يتمثل في كلمة صادقة، أو موقف عملي، أو حتى صمتٍ يفهمه القلب قبل الأذن، هو الذي يشعر بك دون أن تشرح، ويقف إلى جوارك دون أن تطلب.
رسالة السيدة لميا تعيدنا إلى تصريحات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، مع بداية الأزمة الراهنة حينما أكد أنه لا فرق بين مواطن ومقيم «في الإمارات الكل إماراتي، بحبه لهذه الأرض وعطائه لها»، فكل مَن يعيش على أرض الإمارات هو منا ونحن منه له ما لنا وعليه ما علينا.
كلمات صاحب السمو رئيس الدولة، ترسّخ فكرة أن الهوية المجتمعية في الإمارات تقوم على المشاركة في البناء والعمل والإسهام في نهضة الدولة، فالإمارات اليوم تُعد من أكثر دول العالم تنوعاً ثقافياً، إذ يعيش على أرضها مئات الجنسيات المختلفة، يعملون معاً في بناء اقتصاد متطور ومجتمع منفتح.
والإمارات التي تجعل الإنسان بؤرة اهتمامها ومحور تركيزها، ومن أجله تبني وتخطط لا تستثني في مسعاها نحو الرفاهية أحداً، حيث تسير بخُطى ثابتة نحو تعزيز رفاه الإنسان، في بيئة آمنة، ومجتمع متماسك، وخدمات متطورة، تقدم نموذجاً متكاملاً لدولة عصرية تضع الإنسان في صميم أولوياتها، وبحسن أداء مؤسساتها وجاهزية أفرادها تصنع الفارق في حياة الناس.
لا شكّ أن الحوادث كاشفات، ونحن نعيش زمان سقوط الأقنعة. فسلام على الدنيا إذا لم يكن بها صديق صدوق صادق الوعد مخلصاً منصفاً.



إقرأ المزيد