«سون تزو» ونظرية «فنّ الحرب»
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

منذ أقدم الحِقبِ الزمنية في حياة البشر تعدّ أيام الحروب «ذروة قصوى» من ذروات التاريخ، فالاحتكاك العسكري يكون غاية بالضرورة في بعض المنعطفات الخاصة، فهي تعبيرٌ عن «فيض الكيل» بعد استنفاد السبل السلمية أو الطرق التفاوضية. وعليه فإن تحمّل الناس لكلفة الحرب ومخاطرها، المادية والنفسية، ضروري بغية تغيير مسار سيئ يجب تغييره عبر العمل العسكري. ولو قرأنا التاريخ السياسي لوجدنا أنه في مجمله عبارة عن سردٍ للمعارك والحروب التي أنقذت البشرية من مخاطر جمّة. صحيحٌ أن أكلاف الحرب قد تكون كبيرة في بعض الأحيان، لكن العبرة في صناعة واقعٍ آخر يؤمّن للأجيال العيشَ الآمن، ويغيّر من موازين القوى، وهذا هو «فنّ الحرب».
ومن الكتب الكلاسيكية ذات الأهمية الكبيرة في هذا المجال كتاب الحكيم والفيلسوف العسكري الصيني «سون تزو»، والمعروف تحت عنوان «فن الحرب»، والذي يُعد من أهم الأطروحات والمصادر الأساسية في هذا المجال. وهذا الكتاب يمثّل نظريةً عسكرية صينية كاملة كُتبت في القرن السادس قبل الميلاد من قِبل الحكيم «سون تزو». يقع الكتاب في أكثر من 6000 مقطع، ويضم 13 فصلاً، كل فصل منها مكرّسٌ لإحدى خصائص الحرب وتحدياتها وقواعد إدارتها.. وقد نقله إلى اللغة العربية «رأفت علام» وصدر عن مكتبة المشرق.
خلاصة النظريّة العسكرية لـ«تزو»، كما ضمّنها في كتابه «فن الحرب»، تبدأ بسؤال حول «التخطيط للحرب، وكيف يتم اتخاذ قرار الحرب؟»، موضحاً أنه «لا يوجد في حياة الأمم ما هو أخطر من قرار شنِّ الحرب، فالحرب لا تتوقف عند كونها ساحة للدم تُزهَق فيها أرواح الجنود، وإنما هي جهد جماعي لكل أفراد المجتمع، ويمكن أن تحوّل بلاداً بأكملها إلى أراضٍ يعمّها الخراب والدمار. ومن هنا فلا يمكن أن نستهين بأي حال من الأحوال بتبعات الحرب، ومن ثَمَّ يجب أن نتريث قبل اتخاذ القرار بشنِّها».
لكن «تزو» يصرّ على أن «فن الحرب ذا أهمية حيوية للدول، فهو مسألة حياة أو موت، وبمثابة الطريق إلى بر الأمان أو إلى حيث الخراب.. ولذا فالحرب دائماً قضية تستحق البحث والتحرّي والتدقيق والتمحيص، ولا يمكن بأي حال من الأحوال تجاهلها أو الاستهانة بها».
وفي مسألةٍ تاليةٍ يعتبر تزو أن «الحرب مسألة خطيرة بالنسبة للدول، إنها ميدان الحياة والموت، وهي الطريق الذي يؤدي إلى العيش أو الفناء، لذا من المستحيل عدم دراستها بعمق! والمخطط الجيد يُخْضع العدو من دون قتاله. وفي حالة الصراع المسلح، على الرجل الارتكاز على عاملين حاسمين هما: ملَكة العقل والفضيلة، لأنهما إذا استخدما بشكل صحيح يؤديان إلى النصر».
كما يرى أن «أخذ البلاد العدوة سالمةً، هو أفضل من تدميرها، وأسْرُ الجيش المعادي أفضل من تدميره، وذلك مرتبط بسياسات إدارة الحرب، فإحراز مائة انتصار في مائة معركة ليس هو الأفضل، بل إن إخضاع العدو من دون قتال هو أفضل ما يكون، أما في حال عدم إمكان الوصول إلى تلك النتيجة وبالوسائل المتوافرة، فعندها يتم اللجوء إلى القوة المسلحة».
والخلاصة، أن نظرية «فنّ الحرب» تتمثل في ترتيب الأولويات منها، ولذا فالصبر على بعض الرشقات التي قد تؤثّر ضروري بغيةَ الوصول إلى الأهداف الأهم والأدق.

*كاتب سعودي



إقرأ المزيد