الحربُ: ذاكرةٌ مثقوبة
ايلاف -

الحربُ
ليستْ ما يُبثُّ على الشاشات،
ولا ما تُحصيه نشراتُ الأخبار،
ليست رقمًا يُضاف،
ولا خبرًا يُختصر،
إنها أوسعُ من بيان،
وأبطأُ من أن تُفهم دفعةً واحدة.

الحربُ ظلٌّ لفكرةٍ
دخلت عقولَ الكبار،
فتركت ضميرَها في مكانٍ بعيد،
ومضت،
ليتولّى الخرابُ شرحَ العالم.

في الحرب،
لا يبدأ الانهيارُ بصوتٍ عالٍ،
بل بفكرةٍ صغيرة
تتّسع بصمت،
ثم تعيد ترتيب كلّ شيء.

الحربُ يدٌ تُوقّع في الظلّ،
بإصبعٍ لا يُرى،
ثم تمضي مطمئنة،
بينما الأرضُ
تتعلّم كيف تحترق بلا صوت.

في الحرب
رائحةُ الرماد تصبح يومًا عاديًا،
وصوتُ الخطى
يخرج من فراغٍ لا يُطمئن،
والبيوتُ
تتراجع خطوةً إلى الخلف،
لتصير قبورًا مؤجَّلة بلا شاهد.

الحربُ طفلٌ يركض بلا اتجاه،
يمسك ذاكرةً لم تكتمل،
ينادي أمًّا
لا تعرف طريق العودة،
ويحمل في عينيه
أسئلةً لا تسعها اللغة.

ثم يكبر الطفل
لكن لا شيء يكبر معه،
تبقى في داخله غرفةٌ مغلقة،
لا يدخلها أحد،
ولا يغادرها أحد،
غرفةٌ تسكنها الحرب
بلا ضوء.

جنديّان ماتا،
أحدهما برصاصة،
والآخر لأنه نسي كيف يضحك.

الحربُ لا تترك دمًا فقط،
الحربُ نزيفٌ بلا لون،
وجرحٌ لا يُرى،
لكنه يصحو ليلًا
كجدارٍ مهدّم فوق صدر النائم.

كم مدينةٍ كانت قصيدةً،
نوافذُها تتبادل الضوء والغناء،
ثم مرّت الحربُ،
فأطفأت الموسيقى،
وأبقت الصمت،
وأعادت ترتيب الوجوه
على هيئة الغياب.

الحربُ لا تُنتج أبطالًا،
بل تُنتج ناجين
يمشون مثقلين بأسئلةٍ
لا تجد لها اللغة جوابًا،
ويحملون في داخلهم
أثرًا لا يُرى،
لكنه لا يزول.

الحربُ ليست بين جيوشٍ فقط،
الحربُ داخل الإنسان،
حين يُقنع نفسه
أنَّ الآخر أقلّ إنسانيةً،
وحين يبرّر
ما لا يُبرَّر.

لا أحد يربح الحرب،
حتى الذين يرفعون رايات النصر،
يعودون وفي أعينهم
شيءٌ انطفأ
لا يُسمّى،
وخُطًى أثقل من الطريق.

وفي النهاية
لا يبقى من الحرب
إلا ذاكرةٌ مثقوبة،
كجدارٍ مرّت فيه الريح من ثقوب القصف،
تحمل أصواتًا لا تنتمي لأحد،
وأثرًا يتسرّب في الصمت.

ولا يبقى السؤال كما بدأ،
بل يتأخر
ويكبر في الداخل،
حتى يغدو وجعًا صامتًا لا يُجاب:
كيف عشنا كلّ هذا،
ولم نختر حياةً كانت أقرب إلينا من الحرب؟



إقرأ المزيد