الإمارات اليوم - 4/8/2026 4:08:08 AM - GMT (+4 )
أكدت الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي أن الأزياء المنبثقة من المنطقة لم تعد مجرد تصاميم جمالية، بل تحولت إلى وسيلة ثقافية وفكرية تعيد صياغة السردية العربية أمام العالم، عبر ربط التراث بالهوية المعاصرة بطريقة حية وديناميكية، مشيرة إلى أن علامتها «إنانا» التي أطلقتها أخيراً، انطلقت من بحث عميق في سير الملكات العربيات اللواتي همشهن التاريخ رغم أثرهن الكبير، لتتحول هذه السرديات من نصوص مكتوبة إلى تجربة بصرية وملموسة تُعاش وتُرتدى.
وأضافت الشيخة بدور القاسمي، في حوارها مع «الإمارات اليوم»، عن نقطة الإلهام الأولى لإطلاق علامة «إنانا»: «كان كتاب (أخبروهم أنها هنا) البداية الحقيقية للعلامة، فمن خلال البحث، وجدت نفسي أمام سرديات ملكات من المنطقة همشهن التاريخ رغم عمق أثرهن، شخصيات مثل زنوبيا وبلقيس وماوية، لم تُروَ قصصهن بما تستحقه، وكلما تعمّقت، شعرت أن هذه القصص أكبر من أن تبقى حبيسة الصفحة، فظهرت الحاجة إلى أن يتحوّل هذا الإرث إلى تجربة ملموسة يمكن التعبير عنها بصرياً، وأن تنتقل هذه السرديات إلى شكل يمكن أن يُعاش ويُرتدى، فولدت العلامة ليس كقرار، بل كضرورة، وتحولت المعرفة إلى لغة تصميم تربط بين الماضي والحاضر، وتعيد لهذه الشخصيات حضورها وقوتها ضمن سياق معاصر».
ورأت أن العلاقة بين التراث والهوية هي عملية ديناميكية مستمرة وليست مجرد استحضار صامت للماضي، إذ تسعى «إنانا» إلى تحويل التراث من «بقايا أثرية» إلى أساس حي يُدمج في تفاصيل الحياة اليومية، وهذا التحول هو ما يمنح الذاكرة بُعداً جديداً في الحاضر، ويحولها من مجرد مرجع تاريخي إلى بوصلة وجودية، فالمرأة التي تعرف تراثها وجذورها، تمتلك قدرة مختلفة على تحديد إلى أين تذهب، مشددة على أن «التراث ليس أرشيفاً يُستدعى عند الحاجة، بل مساحة تتجدد مع كل قطعة وكل سردية، وينطلق هذا التوجه من فهم ما تمثله الشخصيات التاريخية من معانٍ، كالسيادة والصمود والحضور، وصياغتها في إطار بصري معاصر يعبّر عنها دون أن يفصلها عن جذورها، وهكذا، تتجاوز الهوية الأنثوية حدود التمثيل البصري لتصبح تجربة تعبر عن ارتباط أعمق بالمعنى».
مسار طويل
وحول تجاوز التصاميم لفكرة الأزياء، لتصبح تعبيراً ثقافياً وفكرياً، قالت الشيخة بدور القاسمي: «تتجذر (إنانا) في المسار الفكري الذي انطلق من البحث العميق في سير الملكات، فإذا كانت الكتابة مساحة لاكتشاف هذه الشخصيات وفهمها فكرياً، فإن الأزياء أتاحت الاقتراب منها بطريقة أكثر حسية وملموسة، وقد شعرتُ أن إرث هؤلاء الملكات لم يكن ليكتمل وهو مقتصر على الكلمة المكتوبة، بل كان بحاجة إلى لغة بصرية تمنحه نبضاً وحياة، إذ تقدم العلامة ضمن رؤية تتجاوز الأزياء كونها زينة، لتصبح تجسيداً حياً للذاكرة والهوية، وهذا ما يجعلها مساحة تعبير تنبع من موقع ثقافي ملتزم بإحياء الذاكرة الأنثوية، لا مجرد منتج إبداعي مستقل، ويمكن القول إن الأزياء هنا تتحول إلى تجربة تعاش بكل الحواس، وتحمل في كل تفصيل بعداً روحياً ينبثق من صميم التصميم وجوهره، ولا يُضاف إليه كعنصر خارجي».
وأوضحت أنها اعتمدت على مراجع تاريخية من الجزيرة العربية، مع إعادة قراءتها ضمن صياغة معاصرة تحافظ على جوهر هذا الإرث وتمنحه أثراً جديداً، مبينة أن هذا يتجلى بوضوح في مجموعة المجوهرات «أبيئيل: عهد الصحراء» التي تتمحور حول نقش العملة القديمة كرمز للتبادل والذاكرة والاستمرارية، وتظهر في القلائد والأقراط والأساور والأطواق الرأسية بأشكال وأحجام متعددة.
أما الحِرف اليدوية، فنوهت بأنها تمتد عبر تقنيات متوارثة من مناطق مختلفة كـ«الإيكات» و«الكانثا» و«الشيبوري» وتطريز وادي سوات و«الفولكاري»، وتُدمج في القطعة لا كعنصر زخرفي، بل كجزء من السرد نفسه، أما الخامات فتشكل ركيزة أساسية في هذا التكوين، فالكتان أحد أعرق المنسوجات في التاريخ الإنساني، وقد ارتبط بالملابس الطقسية في الحضارات القديمة، والقطن بطبيعته المهدئة والراسخة يمنح القطعة توازناً وعمقاً، أما الصوف فيحمل في جوهره روح البداوة والحماية والصمود، واختيار هذه الخامات ليس جمالياً فحسب، بل هو امتداد للذاكرة الثقافية ذاتها، فالمراجع تندمج في بنية القطعة نفسها، بحيث تكشف تفاصيلها هذا الامتداد بين الماضي والحاضر.
من عمق التاريخ
وعن تحول الأزياء إلى سردية، نوهت الشيخة بدور القاسمي بأن «هذا يحدث حين تنبثق كل قطعة من عمق شخصية تاريخية بعينها، فتصميم (زنوبيا) لا ينطلق من جمالية الملكة فحسب، بل من معنى السيادة والصمود الذي جسّدته، ويُترجم مباشرة إلى خطوط وحركة وتكوين تُعبر عن هذا الثقل التاريخي، ومع تكامل هذه العناصر، تتجاوز الأزياء حدود الشكل لتصبح حضوراً متكاملاً وواعياً، ففي (إنانا) لكل عنصرٍ دوره الجوهري، والقطعة تُرتدى كدرعٍ يمنح الثقة، والمجوهرات تُحمل كتميمة تحفظ الذاكرة، والعطر تُستحضر به روح المكان، وهنا يصبح الارتداء فعلاً سيادياً وليس مجرد اختيار يومي، وتصبح المادة نفسها كياناً نابضاً بالمعنى».
واعتبرت أن «هذا التصور يمتد إلى مساحة العرض نفسها، حيث لا تُقدم القطع كمنتجات، بل ككائنات تُحيا ضمن تجربة غامرة ومتعددة الحواس تجمع الحركة والمشهد والرموز في منظومة واحدة، وهذا هو الطقس الذي ننشده، أن تخرج المرأة من تجربة الارتداء وهي تحمل حضوراً يتجاوز حدود الأزياء».
وبخصوص الرسالة التي تقدمها «إنانا» حول المرأة العربية، أشارت الشيخة بدور القاسمي إلى أن «العلامة تقوم على رؤية تُعيد تقديم صورة المرأة العربية بوصفها امتداداً لإرث عميق الجذور، تستند فيه إلى شخصيات تاريخية جسّدت القوة والقيادة، وتُعاد صياغتها في قالب معاصر يعبّر عن هذا العمق دون أن يُجرّده من أصله، ومن هذه المقاربة ينطلق جوهر العلامة (حيث يتزيّن الحب بالقوة)، وهي قناعة تحملها شخصياً، إذ وجدتُ في هذه الشخصيات التاريخية مرآةً لقوة لم تختفِ، بل بقيت كامنة تنتظر أن تُستعاد. تتجلّى المرأة هنا في حضور متكامل يجمع بين القوة والنعومة، وبين الهيبة والأناقة، وبين الجذور والانفتاح، وهذه الرؤية تفتح مجالاً لإعادة النظر في صورة المرأة العربية، ليس من حيث الشكل وحده، بل من حيث الحضور والتأثير».
صوت جديد
قالت الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي إن «الأزياء المنبثقة من منطقتنا اليوم لم تعد مجرد تصميمات، بل أصبحت رافداً أساسياً يغذي جوانب ثقافية أخرى، فهي تمنح منطقتنا صوتاً جديداً وقدرة على إعادة صياغة السردية الخاصة بنا أمام العالم، نحن نستخدم الأزياء كمنصة ليعرفنا الآخرون كما نحن، لا كما يُتخيل عنا، ما يساهم في تغيير الصورة النمطية وتقديم هويتنا كقوة إبداعية معاصرة»، وشددت على أن الأثر العالمي الحقيقي لن يتحقق إلا حين تنطلق هذه الرؤى من بحث عميق وسردية واضحة، لا من جماليات سطحية مستعارة من الموروث.
بدور القاسمي:
. المرأة التي تعرف تراثها وجذورها، تمتلك قدرة مختلفة على تحديد إلى أين تذهب.
. «إنانا» انطلقت من بحث عميق في سير الملكات العربيات اللواتي همشهن التاريخ.
. نقطة الإلهام الأولى لإطلاق «إنانا» كان كتاب «أخبروهم أنها هنا» والبحث الموسع خلاله.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news
إقرأ المزيد


