الرجل الذي كان يهرب على عجلتين
ايلاف -

وُلد طالب في مدينة الثورة، شرقي بغداد، حيث الأزقة تضيق كلما اتسعت الذاكرة، وحيث البيوت تتراكم فوق بعضها مثل أحلام مؤجلة؛ لم يتعلم المشي على العشب، بل على الغبار، ولم يحفظ أسماء الأشجار، بل أسماء الشوارع التي تغيّر ملامحها عند كل حرب.

كان طفلاً حين اندلعت الحرب العراقية - الإيرانية، حيث طُبع صباه بأصوات صفارات الإنذار ورائحة الخوف؛ في طفولته، التي سرقها ظل الحرب العراقية الإيرانية الطويل، لم يفهم معنى الحرب إلا حين عاد الأب ذات مساء محمولاً في خبرٍ مقتضب، بلا جسد، وبلا وداع؛ اختُطِفَ والده كما تُختَطَفُ الأسماء من شواهد القبور، فترعرع مراهقًا بلا حِضْنٍ يردُّ عنه مخاطر العالم ومصائب الدنيا، كبر طالب يتيمًا، يحمل في صدره فجوةً بحجم رجل، ويتعلم مبكرًا أن الرجولة ليست عضلات، بل قدرةً على الصبر.

ثم جاء عقد التسعينيات من القرن العشرين، ودخله طالب كمن يدخل نفقًا بلا نهاية، فجاءت المطرقة التي سحقت العظام؛ إذ رأى بلاده، وقد التهمتها نيرانُ حرب شاملة وحلفٌ دوليٌّ جبار، تنهارُ بعد استعادة الكويت، وتسحق جموعُ الهزيمة أحلامًا وبيوتًا وأجسادًا؛ إذ خَسِرَ العراقيون دماءً وذاكرةً وثراءً؛ العراق كله كان يعيش على حافة الجوع والخوف؛ جاءت حرب الخليج، وسقط الجيش، وتكسّرت البلاد مثل مرآة عملاقة؛ فانتفضت في صدور الأغلبية الساحقة عاصفةٌ من السخط، زئيرٌ مكتوم انفلتَ في الشمال والجنوب والوسط، حتى بلغ زخمه العاصمة بغداد نفسها.

وحين انتفض الناس في الشمال والجنوب والوسط، خرج طالب معهم من شارع الداخل في مدينة الثورة، يهتف بصوت مبحوح، لا يعرف تمامًا ماذا يريد، لكنه يعرف جيدًا ما لا يريده: القهر وصدام.

وانطلق طالب مع الجموع الغاضبة في شوارع مدينته، شارع الداخل، تحمله أمواجٌ بشرية وهتافاتٌ تطحن الصمت وتصعد مثل بخار ساخن من صدور متعبة: "يا بغداد دوري دوري، خل صدام يلحق نوري"، "لا إله إلا الله، صدام عدو الله"، "ماكو ولي إلا علي ونريد حاكمًا جعفريًا"، "أيامكم كلها ظلم كواويد بعثية"، كانت صرخاتهم سكاكينَ تحاول فتح نافذة في جدار الرصاص؛ حتى بلغوا التقاطعَ القريب من مستشفى القادسية، وهناك، انحرفوا برؤوسهم نحو الشارع المؤدي إلى الحبيبية.

ثم جاءت زبانية قوات الطوارئ الطائفية الإرهابية، بسيارات الدفع الرباعي الأميركية المُغتَصَبة من شوارع الكويت، وكأنها وحوشٌ ميكانيكية تولد من رحم القتل والدمار؛ ثقيلة، سوداء، تزمجر كحيوانات معدنية؛ كانوا تشكيلاً هجينًا، يحمل في عيونه الغريبة حقدًا قديمًا على أغلبيةٍ تختال بعراقيتها العريقة؛ أطلقوا رصاصَ مدافعهم الرشاشة، "الأم - 16"، و"البكته"، و"الأحادية"، و"البي كي سي"، وغيرها من الأسلحة المتوسطة الفتاكة، دون تمييز، فتناثرت الأجسادُ على الأسفلت كزجاج مكسور، وانهمر الرصاص كالمطر، وتبعثر الناس، وسقطت أجساد لم تكن تطلب سوى هواءٍ أوسع؛ ركض طالب، لا لأنه جبان، بل لأن الحياة كانت لا تزال معلّقة في صدره بخيط رفيع.

ومنذ ذلك اليوم، صار الهروب جزءًا من شخصيته.

هرب من وظيفة إلى أخرى؛ إذ تنقل طالب بين أعمالٍ شتى، من حلم إلى آخر، من مدينة داخل رأسه إلى مدينة خارجه؛ طالب، يحمل جسدًا ناضجًا وروحًا لا تزال مراهقةً تلهث وراء حلمٍ واحد: دراجة نارية؛ فقد احتفظ بهذا الحلم الطفولي؛ كان هذا الحلم قد نبت في طفولته كفطرٍ خفي تحت أنقاض الخوف، واشتدّ مع صباه حتى صار هاجسًا؛ وفي السوق، كان يقف أمام معارض الدراجات ساعاتٍ يتأمل منحنيات الهروب المعدنية، يتخيل نفسه جالسًا على سرج إحداها، عابرًا شوارع بغداد كالريح، حرًّا من ثقل الأرض والذاكرة؛ وفي كل عيد، كان يستأجر دراجة صغيرة لنصف ساعة، فيدور بها في مسارٍ محدد لا يتجاوز خمسمائة متر، لكنه في تلك الدقائق كان يشعر وكأنه يقود "رولز رويس". كان الزمن يتقلص تحت قدميه، وتختفي الجدران، ويصير العالم أخفّ.

كانت الدراجة بالنسبة إليه أكثر من وسيلة نقل؛ كانت وعدًا بالحرية، شكلاً ملموسًا للريح؛ إذ كان يزور أسواق الدراجات كما يزور العشاق بيوت أحبابهم من بعيد؛ يحدّق في المعدن اللامع، في المقود، في العجلات، ويتخيل نفسه يعبر بغداد كلها في دقيقة واحدة.

كبر طالب، وتغيّر وجه بغداد مرات عديدة؛ وسقط النظام المقيت، وسقطت التماثيل القبيحة، وصرخت الشاشات بأنباء سقوط الصنم، لكن رغبته القديمة بقيت واقفةً كشاهدٍ صامت في داخله، وتحسنت الأحوال قليلاً، واشترى دراجته الأولى عام 2005؛ ولم يكتفِ بجولة داخل المدينة، بل انطلق شمالاً: كركوك، الموصل، أربيل، دهوك، السليمانية؛ كان يسافر مع مجموعة من الشباب الرحّالة، كقافلة حديثة، تحمل خيامها وأوانيها وأحلامها على ظهور محركات صغيرة، في رحلة كانت أشبه بطقس تطهير جماعي؛ كانوا ينامون تحت السماء، ويغسلون وجوههم بماء الجداول، ويتقاسمون الخبز والشاي والقصص.

في تلك الرحلة، شعر طالب للمرة الأولى أنه لا ينتمي إلى مكان محدد، بل إلى الطريق نفسه.

ثم دارت الأيام، وكبرت المسؤوليات، وتضخمت الأوراق الرسمية؛ إذ تم تعيينه في دائرة حكومية؛ ثم اشترى سيارة، وسكن بيتًا جميلًا، وصار يحمل مفاتيح كثيرة في جيبه؛ لكن كل مفتاح كان يفتح بابًا خارجيًا، ولا يفتح الداخل.

وحين أُحيل إلى التقاعد، شعر فجأة أن الزمن صار واسعًا أكثر مما يحتمل؛ فعندما هدأ الضجيج الخارجي، وعاد الصوت الداخلي القديم يتردد، كصدى تأخر ثلاثين عامًا، ذهب إلى سوق الدراجات النارية في شارع الكفاح، واشترى دراجة نارية حديثة؛ لا ليعود شابًا، بل ليستعيد نفسه.

لكنه الآن لا يقودها إلا في الليل.

ففي ظلام بغداد، حيث تختفي الألوان وتصبح الأشكال ظلالاً، يتحول الشارع إلى نفقٍ زمني؛ تتحول دراجته إلى حصان شبح، وهو يقطع الطرقات الخالية، تاركًا خلفه ذاكرةً من نار، وأمامه ظلامًا يختلط فيه الماضي بالمستقبل، غير قادر على تمييز دوي المحرك من دوي الرصاص القديم، ولا انعكاس المصابيح على الأسفلت من بريق العيون التي غابت في تقاطع مستشفى القادسية؛ يقود بلا وجهة، لأن الوجهة الوحيدة الممكنة هي تلك التي هرب منها ذات يوم، والتي لا تزال تلاحقه، كظل دراجته الطويل على جدار بغداد.

وبغداد في الليل تشبه امرأة متعبة تضع مساحيق خفيفة لتخفي ندوبها؛ يقود طالب دراجته عبر الجسور، يمر بجدران مثقوبة بالذكريات، يتجاوز نقاط التفتيش، ويصادق الضوء الأصفر للمصابيح؛ الهواء يصفع وجهه برفق، وصوت المحرك ينسجم مع نبض قلبه.

كان يشعر أن كل دورة للعجلة تمحو سنة من عمره.

لم يكن يهرب من شيء محدد، بل كان يلاحق نسخة أقدم من نفسه، طفلاً فقد أباه، شابًا ركض تحت الرصاص، رجلاً حمل وطنًا كاملًا في صدره ولم يجد له مكانًا.

على الدراجة، كان يستعيد اسمه.

وكان يعرف، في أعماقه، أن الحرية ليست أن تصل، بل أن تظلّ تمضي.



إقرأ المزيد