خلود الجابري: بعض الفنانين يستنسخون الأعمال العالمية
‎دار الخليــــج -

يشكل الفن التشكيلي اليوم مساحة ثرية للتعبير عن التحولات الثقافية والإنسانية التي نعيشها، ويعكس تنوعاً في التجارب الفنية بين الأصالة والتجديد، وفي هذا السياق، تفتح «الخليج» حواراً مع الفنانة الإماراتية خلود الجابري، التي تعد من الأسماء البارزة في المشهد التشكيلي المحلي، للحديث عن واقع الفن التشكيلي ومفهوم الحرية الفنية ومسؤولية الفنان، وعن التحديات التي تواجه التشكيل الإماراتي في ظل الانفتاح العالمي.

أكدت الفنانة التشكيلية خلود الجابري أن الساحة الفنية تشهد في الفترة الأخيرة إشكالية حقيقية تتمثل في انتشار عدد من الدخلاء على الفن التشكيلي، الأمر الذي انعكس سلباً على الذائقة العامة وعلى صورة الحركة التشكيلية في الدولة، وشددت على أن الفنان الحقيقي هو من يشتغل على ذاته باستمرار ويطور أدواته الفنية، مشيرة إلى أنها شخصياً عملت على نفسها كثيراً ولا تزال حتى اليوم تعتبر نفسها في مرحلة تعلم دائمة، لأن الفن، بحسب قولها، رحلة لا تنتهي من البحث والتجريب.

*تجاوزات

نوهت خلود الجابري إلى أنها تجد أحياناً من بعض الفنانين، تجاوزات وتعدياً على الملكية الفكرية لأعمال فنانين عالميين، حيث يقوم البعض بمحاكاة أعمالهم إلى درجة تشبه الاستنساخ وإعادة نسبها لأنفسهم، وهو سلوك يتنافى مع القيم الفنية وأخلاقيات الإبداع، وأوضحت أن مثل هذه الممارسات تضعف مصداقية الفنان وتسيء إلى سمعة الفن التشكيلي.

كما بينت أن أحد أبرز مظاهر الأزمة الراهنة هو الخلط بين الموهبة الحقيقية والدخلاء، إذ باتت بعض الأعمال تفتقر إلى هوية فنية واضحة، ما يؤكد الحاجة إلى وجود آليات تقييم أكثر مهنية، واقترحت في هذا السياق اعتماد «الرسم الحي» كوسيلة حقيقية لاختبار موهبة الفنان، إلى جانب وجود مرجعية فنية متخصصة تقيم الأعمال من حيث الجودة والأصالة، مؤكدة أن الهدف لدى البعض اليوم أصبح «الفن من أجل التجارة» لا «الفن من أجل الفن»، وهو ما يستدعي مراجعة شاملة لمسار الحركة التشكيلية للحفاظ على قيمها الجمالية والإنسانية.

وفي محور الحرية الفنية بين الرقابة الذاتية وقيود المجتمع وتأثير ذلك على الإنتاج الفني للفنان، تؤكد خلود الجابري أن الحرية الفنية مساحة ضرورية لكل فنان، لكنها ليست مطلقة، إذ يجب أن تقترن بالمسؤولية تجاه المجتمع وقيمه، وترى أن الوعي هو الحد الفاصل بين الحرية والانفلات، وأن صدق التعبير لا يعني تجاوز حدود البيئة والثقافة.

وتوضح خلود أن الرقابة الذاتية تمثل نضجاً ووعياً في التجربة الإبداعية، إذ يتعلم الفنان تقديم فكرته بذكاء من دون فقدان الجرأة، لكنها تحذر من تحولها إلى قيد يضعف روح العمل الفني، كما تستعيد تجربتها بلوحة «المرأة بين الماضي والحاضر» (1986)، حيث استخدمت الرمزية لربط الحداثة بالتراث الإماراتي، مؤكدة أن الفن الحقيقي قادر على التعبير الحر الواعي دون تجاوز أخلاقي أو فكري.

*خوف

تبين خلود الجابري أن الخوف الشخصي هو ما يقيد الفنان أكثر من المجتمع، لأن بعض الفنانين يفرضون على أنفسهم حدوداً غير ضرورية، وفي المقابل، تشيد بالدعم الكبير الذي حظيت به المرأة الإماراتية منذ قيام الاتحاد، مشيرة إلى إسهامات القيادة الرشيدة في تمكين المرأة وتعزيز حضورها التعليمي والمجتمعي، الأمر الذي جعل المرأة الإماراتية تتبوأ مراكز قيادية في مختلف المجالات، وتعتبر أن هذه النهضة انعكست إيجاباً على وعي الفنانين وعلى تطور الفكر التشكيلي في الدولة.

وحول ما إذا كانت القيود تولد الابتكار أم التكرار، توضح أن الأمر يعتمد على وعي الفنان وإصراره، فهناك من يختار الطريق الآمن فيكرر نفسه، وهناك من يحول القيود إلى مساحة خصبة للابتكار، وتشير إلى أن المجتمع الإماراتي بيئة حاضنة للفن، حيث وفّرت الدولة دعماً متواصلاً للفنانين وأسهمت في وصول الفن الإماراتي إلى العالمية من خلال أعمال راسخة في الإرث المحلي لكنها منفتحة على الحداثة والمستقبل.

وتؤكد أن تناول قضايا المرأة والهوية أحد المحاور الأساسية في تجربتها الفنية، إذ تحرص على طرحها بصدق وعمق وبأسلوب يحترم حساسية المجتمع. وتوضح أن اهتمامها بالمرأة الإماراتية نابع من رؤيتها المبكرة لدورها في التعليم وحرية الرأي وصنع القرار، لافتة إلى أن بداياتها الفنية ارتبطت بمراحل تشكل وعي المرأة نفسها في المجتمع الإماراتي.

التزامات

تعترف خلود الجابري بأن الفنانة تواجه أحياناً ضغوطاً مضاعفة بسبب التزاماتها الاجتماعية والأسرية، لكنها ترى في ذلك دافعاً إضافياً للإصرار والإبداع، وتتحدث عن توقفها عن الممارسة الفنية لمدة 18 عاماً بعد الزواج، مبينة أن نظرة المجتمع آنذاك لم تكن منفتحة تجاه فكرة الفنانة المتفرغة، إلا أنها عادت لاحقاً إلى الفن التشكيلي بقوة، مدفوعة بهدف سام لتكريس حضورها والمساهمة في المشهد التشكيلي الإماراتي، وتشير إلى أن المرحلة الحالية تشهد دعماً مؤسسياً كبيراً للفنانين وتقديراً واسعاً لدورهم الإبداعي.

وفي ما يتعلق بوسائل التواصل الاجتماعي، ترى خلود الجابري أنها أسهمت في انتشار الفن وتعزيز تواصله مع الجمهور، لكنها في المقابل خلقت ردود فعل سريعة وأحكاماً متسرعة أحياناً، ما يجعل بعض الفنانين أكثر حذراً في طرح أعمالهم، ومع ذلك، تعتبرها وسيلة مهمة لتبادل الخبرات وعرض التجارب الفنية.



إقرأ المزيد