دار الخليــــج - 4/19/2026 4:30:03 PM - GMT (+4 )
القاهرة: «الخليج»
يتعامل المفكر الإيطالي فرانشيسكو بولديزوني في كتابه «التنبؤ بزوال الرأسمالية.. مغامرات فكرية منذ أيام كارل ماركس» مع النبوءات التي تتحدث عن نهاية الرأسمالية، التي وسمت تاريخ علم الاجتماع الحديث منذ نشوئه، فجميع منظري علم الاجتماع تقريباً، أعربوا في مرحلة ما من حياتهم عن إيمانهم بهذا التنبؤ، وهذا ليس مستغرباً بل إنه من الطبيعي حقاً أن الأشخاص الأذكياء كانوا يتساءلون عن مستقبل النظام الذي عاشوا في ظله.اللافت في الأمر أن معظمهم، أعربوا عن درجات متفاوتة من الشك في بقاء الرأسمالية، وآخر مسار الشك هذا وضع عام 2040 تاريخاً لنهاية الرأسمالية، الأمر المهم الثاني هو أن هذه النبوءات لم تتحقق قط، على حد تعبير المؤلف، ومن المهم أن نفهم السبب، علاوة على ذلك فإن التنبؤ لا يزال مستمراً، وهذا أيضاً يتطلب تفسيراً، ومن خلال التفكير في الطريقة التي تم بها تصور نهاية الرأسمالية على مدى القرنين الماضيين، يمكن القول إن الكثير لا يمكن تعلمه فقط من العلوم الاجتماعية لكن من الرأسمالية نفسها.
*مولديعود بنا الفصل الأول من الكتاب الذي ترجمه إلى العربية أحمد الزبيدي، إلى عام 1848 وهو العام الذي شهد قيام ثورة فبراير في فرنسا، حيث ولد مصطلح الرأسمالية، وإلى جانب المفهوم الجديد نشأت نبوءات حول مستقبل الرأسمالية وما بعد الرأسمالية، هل كانت هذه صدفة؟ بالطبع لا، فخلال منتصف القرن التاسع عشر بدأ المفكرون يدركون أن العالم من حولهم قد تغير، لدرجة أن المفاهيم القديمة غير مناسبة لوصف المجتمع الجديد.كانت بريطانيا خلال العصر الفيكتوري تعد محرك تطور رأس المال العالمي، وكانت أيضاً موطن كل أنشطة التنبؤات في تلك الفترة، يبدأ الجزء الأول من الحكاية مع جون ستيوارت ميل وكارل ماركس، كطرفين رئيسيين للموضوع، في ذروة الثورة الصناعية التي شهدتها بريطانيا، كان ميل يعتقد أن إمكانات تنامي الاقتصاد الرأسمالي باتت على وشك التوقف، وأنها قد وصلت بالفعل إلى حدود الاستدامة الديموغرافية والبيئية.كان يعتقد أن الاستمرار في هذا الطريق لا يمكن أن يكون أمراً مقبولاً ولا ممكناً، لقد قارن ضمنياً الرأسمالية بالكائن الحي الذي لا يستطيع الهروب من الشيخوخة، لكنه رأى في هذا الزوال فرصة من أجل التقدم الأخلاقي، وتوقع أنه بمجرد التحرر من طغيان الحاجة وعدم القدرة على تحقيق المزيد من النمو، فإن الدول المتقدمة ستكون في وضع مثالي، لمتابعة تحقيق العدالة الاجتماعية.
*قوانينعلى النقيض من ذلك لم تكن رؤية ماركس لمستقبل الرأسمالية أنها في انحدار، بل إنها في حالة انهيار، فكان يعتقد أن الرأسمالية ستزول طبقاً لقوانين التطور التي تحكم التاريخ، وحجته هي أن تطوير القوى المنتجة سوف يجعل علاقات الملكية التي قامت عليها الرأسمالية شيئاً من الماضي، ومع ذلك - كما يوضح الكتاب- لم يكن ماركس واضحاً بشأن ميكانيزم انهيار الرأسمالية.مع حلول الحرب العالمية الأولى التي يفتتح بها المؤلف الفصل الثاني من كتابه، كانت الماركسية قد انقسمت بالفعل إلى تيارين، أحدهما ثوري، والآخر إصلاحي، رأى الأول في التوجهات الإمبريالية، التي تسببت في اندلاع الحرب علامة على وصول الرأسمالية إلى مرحلتها الأخيرة، ورأى أن الرأسمالية قد استنفدت جميع هوامش الاستغلال داخل العالم المتقدم، بل حتى قدرتها على جني الأرباح في المستعمرات، بدأت تنفذ بسرعة، مثلت الحرب لحظة الحقيقة، وما سيتبعها سيكون إما الاشتراكية أو الهمجية.على النقيض من ذلك فإن الجناح الإصلاحي الذي كان مهيمناً على دول أوروبا الغربية، والذي سيؤدي إلى ظهور أحزاب الديمقراطية الاجتماعية المعاصرة قد توقف عن الاعتقاد بنهاية الرأسمالية، وكان على يقين من أن القوى المتحاربة ستصل في النهاية إلى اتفاق لتقاسم الثروة التي ستحصل عليها في المستقبل، وفتحت الثورة الروسية هوة لا يمكن جسرها بين هذين التيارين الاشتراكيين.
*صدمةلم تمر سوى سنوات قليلة فقط على صدمة الحرب العالمية الأولى، حتى تعرض العالم الغربي لانهيار في سوق الأسهم عام 1929 ودخل مرحلة الكساد العظيم، التي مهدت بدورها لصعود النازية، هذا التسلسل من الاضطرابات الاقتصادية والسياسية انتهى به الأمر بطريقة مأساوية، إلى قيام الحرب العالمية الثانية، وفي مثل هذه الفترة المضطربة بدأت آلة التنبؤ بنهاية الرأسمالية بالعمل مرة أخرى، وبوتيرة محمومة.رأى الماركسيون الأكثر تشدداً في الكساد العظيم الدليل على أن ماركس كان على حق، وأن الرأسمالية كانت في طريقها للخروج من مسرح التاريخ، ولم ير محللون آخرون أقل تشدداً، أن هناك شيئاً يتعذر إصلاحه في هذه الأزمة فيمكن معالجة عدم استقرار السوق عن طريق التنظيم والتخطيط.يشير الكتاب إلى أن المزاج العام تغير مع صعود اليمين الجديد في ثمانينيات القرن الماضي، عندما تفككت الكتلة السوفييتية، وتحدث فوكوياما عن نهاية التاريخ، عام 1989 كانت هناك هيمنة شبه مطلقة للأفكار والممارسات النيوليبرالية التي منحت الرأسمالية درعاً غير قابل لأن يخترق، وحجبت كل الآمال في وجود مستقبل مناهض للرأسمالية، وساد الاعتقاد بأن الرأسمالية خالدة، وقيل إنها تجاوزت نفسها وتطورت إلى شكل كامل ونهائي.بعد عام 2008 تحولت رياح التغيير الفكرية مرة أخرى، كما هو متوقع، أعادت الأزمة المالية عجلة التنبؤ إلى الحركة، وهكذا وسط آلاف الظلال من المحاذير لم يتردد علماء الاجتماع – بعضهم – في تحديد تاريخ وفاة الرأسمالية بحوالي عام 2040 وهذا يأخذنا إلى الجزء الأخير من الكتاب ورؤية ما يمكن أن يسمى تشريح جثة فكرة النبوءات، فالرأسمالية ستنتهي في يوم من الأيام، أو ستتحول ببطء إلى نظام جديد، هكذا قيل.
إقرأ المزيد


