لبنان بين «عون» و«عون»
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

خطاب الرئيس اللبناني جوزيف عون الأخير أبان بما لا يدع مجالاً للشك أن المنطقة باتت فعلياً وعملياً أمام تشكُّلاتٍ جديدةٍ ومراكز قوى غير مسبوقةٍ، وأن التوازنات الإقليمية بعد حرب أميركا وإيران لن تكون أبداً كما كانت قبلها.

على مدى عقودٍ خمسةٍ كان لبنان دولةً «شبه دولةٍ» إبان الحرب الأهلية، ثم أصبح دولةً «مختطفةً» أو دولةً «رهينةً» لإيران أو «مرتهنةً» لها بقوة «حزب الله» اللبناني وحلفائه داخل لبنان وداعميه الإقليميين. كان الجنرال ميشال عون، الرئيس اللبناني السابق وزعيم «التيار الوطني الحر»، مثالاً بارزاً للتقلب السياسي، وهو ما أعجب داعميه في «حزب الله» وفي سوريا الأسد وفي إيران الخامنئي. وقد اختار بوعيٍ أن ينخرط فيما كان يسمى «محور المقاومة»، وقدّم غطاء سياسياً مسيحياً لـ«حزب الله» والمحور الذي يمثّله ليختطفوا الدولة اللبنانية والقرار اللبناني، وهكذا سَمح بكل أنواع الإهانة والإذلال والتضليل لشعبه ما دام يُرضي الحليف الإيراني والداعم الفرنسي.

لقد أوصل الرئيس السابق «عون» لبنانَ ليصبح عوداً في حزمة «محور المقاومة»، فلم يَعُد للبلاد قرارٌ إلا الاحتراق في أهداف هذا المحور والاستجابة لنزواته، وهو ما أوصلها لمرحلة «العتمة» سياسياً وأيديولوجياً وطائفياً، وأوصلها لتصبح محلاً لـ«تكدس النفايات» بعدما كانت «سويسرا الشرق» التي يتغنّى بها الجميع في المنطقة وخارجها. وحينما طغى ذلك المحورُ وقرّر إحراقَ البلدان والشعوب من أجل أيديولوجية متشددةٍ وإسلامٍ سياسيٍ متطرفٍ، أوصله عدوانُه وطغيانُه ضد الشعوب التابعة له والراضخة لحكمه إلى نهايته المحتومة، فتساقط كما تتساقط أوراقُ الشجر واحدة تلو الأخرى، فسقطت «حماس» بعدما أهلكت سكان قطاع غزة الشرفاء، بظلمها وجورها، وسقط «حزب الله» في لبنان، الذي بلغ عتوّاً غير مسبوقٍ في ظلم لبنان الدولة والشعب، وبلغ أذاه كثيراً من الدول العربية، وطال كثيراً من دول العالَم وقاراته عبر تهريب المخدرات وتدريب المتطرفين وزرع الخلايا الإرهابية. ثم سقط النظام السابق في سوريا، وتوجّهت الحرب الكبرى عالمياً ضد الدولة القائدة لهذا المحور، فقامت حرب أميركا ضد إيران التي يعيش العالَمُ اليوم أحداثَها ويرصد تطوراتِها ويترقب نهايتَها وما تنجلي عنه.

ولئن أمعن الكثيرون النظرَ في الحرب وفي السياسة، فإن الاقتصاد يقف خلف كثيرٍ من السياسات، في السِّلم والحرب، في الرخاء والشِّدة. كما أن توازنات القوى حين تتغير تُغيّر التاريخَ، وبعض المحاور التي تُبنى في عقودٍ يمكن أن تنتهي في أشهرٍ.

خرج من بين الرماد اللبناني قائدٌ جديدٌ وجنرالٌ وطنيٌ ورئيس لبناني اسمه جوزيف عون، وهو على العكس تماماً من «عون» القديم، فهو يسعى لاستعادة الدولة اللبنانية التي كانت مختطفةً، ويسعى بذكاء واجتهادٍ ووطنيةٍ راسخةٍ لتجنيب بلده ومواطنيه ويلات الحروب التي كان يُحرَق فيها لبنان لصالح دولٍ أخرى. وهو ورئيس وزرائه «نوّاف سلام» يَسطّران مجداً لبنانياً وطنياً حقيقياً جديداً، سيُعيد للبنان مكانتَه وازدهارَه بواقعيةٍ سياسيةٍ وتعاملٍ براغماتي يجلب لبلادهما الاستقلالَ والسيادةَ والأمنَ والرخاء، ولا يسمح بأي حالٍ بأن تصبح ورقةً في طموحاتٍ دولٍ احترقت شعاراتُها وبدأت شمسُ قوتها في الأفول.

خطابُ الرئيس عون الأخير كان مليئاً بالأمل والبحث عن المستقبل، له ولبلاده ولمواطنيه، وقد شكر الرئيس الأميركي ترامب، وشكر الدولَ العربيةَ التي بقيت مصرّةً على دعم لبنان الدولة والشعب، وسعت بجدٍ لإنهاء الحرب وإيقاف إطلاق النيران حتى يمكن خلق مشهدٍ جديدٍ كلياً في لبنان والمنطقة. وأخيراً، فالسياسيون يستطيعون دائماً إدارة الأزمات بالحوار وتحصيل المصالح بالنقاش وإنهاء الحروب بالتفاوض، ولكن المؤدلجين لا يحسنون هذا، بل هم دائماً مثل النار بالنسبة للفَراش.

*كاتب سعودي 



إقرأ المزيد