الأمن في الإمارات.. عقيدة دولة تُصان بعزم وحزم
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تختزل عبارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله: «حصّنتك باسم الله يا وطن»، إطاراً قيمياً عميقاً يعكس فلسفة متكاملة للأمن الوطني في دولة الإمارات العربية المتحدة، تقوم على يقين راسخ بأن حماية الوطن تبدأ بالإيمان، المرتبط بالجاهزية والانضباط وبناء القدرة. فهي لا تُعبّر عن بُعدٍ إيماني فحسب، بل تؤكد منهجَ عملٍ يقوم على الربط بين الإيمان والجاهزية المؤسسية، حيث تُترجم الثقة بالله إلى سياسات واستراتيجيات، وتتحول القيم إلى منظومات عمل تُدار بكفاءة.
في هذا الإطار، يُعدّ الأمن في دولة الإمارات منظومة سيادية متكاملة تُبنى فيها الحماية كعقيدة دولة، وتُدار بمنطق الاستباق لا ردّ الفعل. وما كشفه بيان جهاز أمن الدولة لا يُقرأ كنجاح عملياتي في تفكيك تنظيم إرهابي فحسب، بل كدليل على أن الدولة تواجه تهديداً مركّباً ذا امتدادات خارجية يُدار على مستويات متزامنة.
تفكيك تنظيم مرتبط بمرجعية «ولاية الفقيه» وإيران يكشف أن التهديد لم يكن عفوياً أو محلياً، بل جزءاً من بنية عابرة للحدود تجمع بين الأيديولوجيا والتجنيد والتمويل والولاء الخارجي. تنظيم يعمل عبر شبكات سرية، يستهدف استقطاب الشباب، ويسعى للوصول إلى مواقع حساسة، ويخطط لأعمال تخريبية، بالتوازي مع حملات تضليل وتشويه تستهدف صورة الدولة. وهذا ليس نشاطاً معزولاً، بل محاولة اختراق سيادي تستهدف إعادة تشكيل الانتماء ونقل الولاء من الدولة إلى مرجعيات خارجية.
وفي موازاة ذلك، كشفت الهجمات الصاروخية والاعتداءات الإيرانية الإرهابية المباشرة أن التهديد الخارجي لا ينفصل عن محاولات الاختراق الداخلي، بل يتكامل معها ضمن منطق الضغط المتزامن متعدد الجبهات. صواريخ تُطلق في العلن، وخلايا تتحرك في الخفاء، وسرديات مضللة تُدار إعلامياً، والهدف واحد: إرباك الدولة وضرب نموذجها.
غير أن النتيجة جاءت معاكسة تماماً: فشل في التنفيذ، وتفكيك في البنية، وانكشاف في المنهج، قبل أن يتحقق أي أثر استراتيجي يُعتد به.
نجاح الدولة في التصدي لهذه الهجمات كان نتاجاً لتراكم استراتيجي طويل في بناء مؤسسة عسكرية متطورة، وتكامل عسكري - أمني عالي الكفاءة. والأهم أن الدولة لم تكتفِ بإسقاط التهديد، بل نجحت في تحييد أثره الاستراتيجي بالكامل، وهذا هو جوهر القوة: أن يفشل التهديد… دون أن يُعيد تشكيل الواقع، أو يمسّ استقرار الدولة، أو ثقة المجتمع.
وفي الداخل، أكد تفكيك التنظيم الإرهابي أن المنظومة الأمنية تعمل على طبقات متكاملة: رصد استباقي، تحليل عميق، اختراق مضاد، وتفكيك قبل التنفيذ. النجاح هنا لا يُقاس بما أُعلن، بل بما لم يصل إلى العلن، في معادلة تُعيد تعريف الأمن بوصفه قدرة على منع التهديد من التشكّل، لا مجرد التعامل معه بعد وقوعه.
المفارقة أن من راهن على اختراق الإمارات تجاهل حقيقة بنيوية: أن هذه الدولة لا تعتمد على أجهزتها فقط، بل على وعي مجتمعها. محاولات الاستقطاب الأيديولوجي تصطدم بجدار صلب من الانتماء، حيث لا يجد خطاب الخيانة بيئة ينمو فيها، ولا يجد الغدر أرضاً يستقر عليها. الأمن هنا ثقافة مجتمع، لا وظيفة مؤسسات.
الإمارات اليوم لا تواجه تهديدات متفرقة، بل نمطاً منظماً يقوم على الاختراق والفوضى والولاءات العابرة للحدود. وفي المقابل، تدير الدولة نموذجاً يقوم على الاستقرار العميق، والانضباط المؤسسي والسيادة الواضحة. وبين النموذجين، لا تكون النتيجة مفتوحة، بل محسومة لصالح من يملك رؤية متكاملة للأمن، رؤية تبدأ من الإنسان، وتُحكم بالمؤسسات، ولا تتوقف عند الحدود.
في ميزان الدول، لا تُقاس القوة بقدرتها على الرد فقط، بل بقدرتها على منع التهديد من أن يتحوّل إلى واقع. والإمارات أثبتت أنها لا تحمي أمنها فحسب، بل تحمي فكرتها أيضاً: فكرة الدولة التي تُحبط المشروع في طوره، وتُفرغ الهجوم من أثره قبل أن يمسّ الواقع.
وهكذا تبقى دولة الإمارات، بعزم قيادتها ووعي مجتمعها وتماسك مؤسساتها، أبعد من أن تُخترق، وأرسخ من أن تُزعزع، وأصلب من أن تُستدرج إلى الفوضى.


*كاتب وباحث إماراتي



إقرأ المزيد