جريدة الإتحاد - 4/21/2026 12:17:48 AM - GMT (+4 )
ونحن نتابع رغماً عنا ما يحدث على بعض الشاشات التلفزيونية، نشهد ما تشيب له الوِلدان، نشهد نطاحاً يُدمي القلوب، ونشهد معارك ضارية تكسر عظام الحقيقة، وتجعلها مثل صواريخ ضلت طريقها، ووقعت في صحراء مفتوحة على السماء.
نسمع نقاشات تشبه رغوة صابون رديء الصنع، وبعد الانتهاء من هذه الجولة النقاشية المحمومة، يذهب كل شيء جفاءً مثل الزَّبد، ونقول في أنفسنا، لماذا كل هذا الغليان؟ لماذا كل هذا الغثيان، فالشمس في بطن السماء ترسل خيوطها الذهبية لكي نرى الحقيقة، ولا نضيع الطريق إليها. نشعر بالأسى كيف يتحول المثقف العربي إلى بوق، وظاهرة صوتية صادحة، وبلا معنى، سوى أنها تُصدر دويّاً يشبه المسيَّرات التي تدوّي، وتؤذي الآذان، فإذا بها تسقط مثل طيور منهكة، متهالكة؟
عرفت الكثير من هؤلاء المثقفين، إنهم كانوا يسكنون في الوعي جهة الشمال، واليوم يمسكون بتلابيب الجنوب، وأعتقد أن لديهم نوايا بالتحول جهة الشرق أو الغرب أو بين بين أو عند أطراف الدائرة ينتظرون متى تُسفر المعارك الضارية، ويتعرفون على المنتصر، فيميلون ناحيته ويتذلّلون له، ويتمسّحون بجلبابه، حتى ولو كان أسود، كالحاً، تشمئزّ منه النفس.
هؤلاء المثقفون، يجيدون حوارات السفسطة، ويمتهنونها بحِرفية بالغة التعقيد، ولأن لديهم مصطلحات عجيبة وغريبة، تحتاج إلى عرّافين وكهنة، يفسرون ما بين السطور، وما تحت السجادة.
فيا سبحان الله، هؤلاء مثقفون قفزوا قفزة مذعورة فجأة، وبصورة مباغتة، وأعلنوا عن أنفسهم أنهم مثقفون يدافعون عن «الحقيقة»، وبسرعة فائقة تلقّفتهم بعض المحطات التي لا تصدق أن تسمع عن عُرس، لترقص بجزالة وحرفية! والذي يُدهش، هو أن هؤلاء المثقفين يكاد الواحد منهم يذرف الدموع حزناً على ما يحدث في إيران من ضربات ضد نظام عدواني، شرس، ولا يرفُّ لهم جفن عما تفعله المسيَّرات التائهة، والصواريخ الهمجية في بلدانهم، أو بلدان مَنْ هم من دمهم ولحمهم، هؤلاء الذين لا ناقة لهم ولا جمل فيما آلت إليه النفس الأمّارة في إيران، وكيف أدارت علاقتها مع الآخر، وكيف حوّلت الجيرة إلى غيرة وحسد، وتدابير قاصرة في التعامل مع الجيران؟ بعض هؤلاء المثقفين يظل يسرد قصصاً، ويفتل شاربيه وينظر إلى المحاوِر باستعلاء وكبر، وتعتقد أنه امتلك زمام المعرفة، وشارف على الوصول إلى الذروة في كشف أسرار لا تعرفها، وبعد حين عندما يستدرجه المذيع، وبذكاء جمٍّ، ويظل يستفّزه، ويقدم له الأدلة على خطأ تفسيراته وخرافة معلوماته، ينكمش هذا المحلل المثقف، ويصمت قليلاً، ثم يطرق ويُثرثر ويلوّح بيديه، مثل تلميذ غبي نسي ما حفظه، وأصبح يستدعي المعلومة، فلا تأتي لأنها معلومة مختلقة من عقل يجيد تلفيق الأكاذيب، ويحترف المماحكات غير الجديرة بالاحترام.
إقرأ المزيد


