جريدة الإتحاد - 4/24/2026 11:20:04 PM - GMT (+4 )
كيف يمكن لخبير التوقعات الاقتصادية أن يطرح تصوره إذا كانت الأوضاع غير مضمونة؟ ففي الأسبوع الماضي، علّق صندوق النقد الدولي ممارسته المعتادة بإعداد توقعات اقتصادية عالمية لمناقشتها خلال اجتماعات الربيع. وبدلاً من ذلك، قدم «توقعات مرجعية»، تمثّل في جوهرها سيناريو مؤقتاً يفترض تجاوز الأزمة وعودة الأمور قريباً إلى طبيعتها، إلى جانب توقعات بديلة تتراوح بين أوضاع «أقل سوءاً» نسبياً وأخرى «أشد قتامة».
فإذا صمد وقف إطلاق النار الحالي في الحرب الإيرانية، فسيكون الضرر قصير الأجل على الاقتصاد العالمي قابلاً للاحتواء. أما إذا لم يصمد، واستؤنفت الحرب أو تصاعدت، فستكون النتائج أسوأ بكثير، وهذا أمر بدهي.
وليس أمام المستثمرين خيار سوى التعامل مع هذه السيناريوهات قصيرة الأجل شبه عديمة جدوى. لكن ما يغيب غالباً عن الأذهان العواقب بعيدة المدى، التي يصعب تحديدها بالأرقام، لكنها في الوقت نفسه أكثر أهمية. وبغض النظر عن كيفية حلّ النزاع الإيراني في الأيام والأسابيع المقبلة، فإن هذه اللحظة من الاضطراب الحاد تؤكد بزوغ نظام عالمي جديد، لم يعُد قائماً على التعاون بقيادة الولايات المتحدة.
ولا تقل الآثار الاقتصادية المباشرة لهذا التحول أهمية عن تداعياته على الأمن والجيوسياسة. ومن هذا المنطلق، تكمن النقطة الحاسمة في أن التعاون الدولي يتسم بالكفاءة، فهو يقلّل التكاليف، وهذا أمر بالغ الأهمية.
وخلال العام الماضي، تراجعت الثقة في حلف شمال الأطلسي (الناتو) بشكل حاد. فهذه التحالفات لا تجعل أعضاءها أكثر أماناً فحسب، بل هي أيضاً موفرة للموارد: إذ يتقاسم الحلفاء التكاليف، وبالتالي يخفضون نفقات الدفاع على أنفسهم. لقد كان الرئيس ترامب محقاً في شكواه من أن الدول الأوروبية الأعضاء تسهم بأقل مما ينبغي، مستغلة ثقتها بأن الولايات المتحدة ستدعمها. وكان من حق الولايات المتحدة أن تضغط على الحلفاء لدفع حصتهم العادلة، غير أنها لا تصلح الحلف، بل إنها تدمره.
وتُدرك أوروبا أنها ستضطر إلى إنفاق المزيد على الدفاع في المستقبل، ربما أكثر مما تتطلبه حصتها العادلة في «الناتو». أما مقدار ما ستوفره الولايات المتحدة نتيجة ذلك، لا يُذكر، فمصالحها الأمنية عالمية، وليست محلية أو إقليمية. ولتحقيقها بفعالية من حيث التكلفة، فهي بحاجة إلى حلفاء. والحرب مع إيران خير مثال على ذلك. ومن اللافت للنظر أن الإدارة الأميركية كانت غاضبة من شركائها الأوروبيين الذين سخرت منهم لرفضهم مساعدتها في فتح مضيق هرمز بالقوة. فماذا كان يتوقع الرئيس؟ وبدون شركاء يساعدونها في تحمل العبء، ويقبلون القيادة الأميركية في حدود معينة، ستحتاج الولايات المتحدة هي الأخرى إلى إنفاق المزيد للقيام بالمهمة.
كما أن التحول من التجارة الحرة إلى التجارة المُدارة (عبر الرسوم الجمركية) أمر مُكلف. وإذا لم تُخفض التجارة التكاليف، لما وُجدت، إذ إن هدفها الأساسي هو تقليل الإنفاق وزيادة الاستهلاك. ويُرجح أن تستمر التجارة العالمية في التوسع، وستظل الاقتصادات متعمدة عليها بما فيها اقتصاد الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن الجهود المُتقلبة والمُتطفلة لتوجيه التجارة سترفع التكاليف على المُنتجين المحليين وتُعيق الاستثمار. كما أن التجارة المُدارة تعني زيادة الإنفاق العام عبر دعم المُنتجين المُفضلين أو المُتضررين الذين يُعانون من أضرار جانبية ناجمة عن الحرب التجارية مثل المزارعين في الولايات المتحدة.
ويُعتبر تزايد الضغوط المالية موضوعاً رئيسياً في تحليل صندوق النقد الدولي الأخير، فالديْن العام العالمي يرتفع، وفي معظم أنحاء العالم، لا تزال مستوياته أعلى مما كانت عليه في ذروة جائحة كوفيد-19. وتُسجل عجزاً كبيراً في الميزانيات رغم انخفاض معدلات البطالة، وتتجه أسعار الفائدة نحو الارتفاع. وتتصدر الولايات المتحدة هذه الأزمة المالية المتفاقمة، حيث يبلغ عجز الموازنة العامة، وهو المقياس المُفضل لصندوق النقد الدولي، ما بين 7% و8% من الناتج المحلي الإجمالي، رغم بلوغ حالة التوظيف الكامل، و«من دون خطة واضحة لتسوية الديون». إضافة إلى الإنفاق العام المتزايد باستمرار نتيجة لتفكك النظام العالمي، على الدفاع وخدمة الدين والمتطلبات المالية للتجارة المُدارة، إلى جانب تباطؤ النمو الاقتصادي بسبب ارتفاع التكاليف.وأكدت حرب إدارة ترامب على إيران، بحزم شديد، الرسالة التي وجهتها من قبل إلى شركائها السابقين، ومفادها أن الولايات المتحدة ستتصرف من الآن فصاعداً بشكل أحادي لتعزيز مصالحها، إنه تحوّل يصعب، بل ربما يستحيل، التراجع عنه، وسيؤدي إلى تدهور أوضاع الولايات المتحدة وحلفائها السابقين، فضلاً عن تراجع أمنهم.
*كاتب متخصّص في الشؤون الاقتصادية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


